الصيف ده هتقضيه عند عمتك كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

ضحية. قلتها ببرود هز عصابه أكتر. أمك جات هنا، فرضت أمر واقع، جابت تذكرة قطر لابنك من ورايا ومن وراك، وقالت لي إن الواد طالع يشتغل دادة لعمته تلات شهور ببلاش. ولما واجهتها وبصيت لابني لقيت عينه مكسورة، ولما اتصلت بيك لقيتك بايع ابنك ومسلم وراقه من ورايا. أنا مطردتهاش، أنا قلت لها الزيارة انتهت واتفضلي لما محمد يرجع.
وأنا قولتلك يا مروة إني موافق! محمد قرب مني أكتر وصوته عِلي زيادة. أنا أبو الولد، ومن حقي أقرر مستقبله ومصلحته فين! مصلحته إنه يروح هناك، الصنعة والورش دي مش لينا، دي بيئات متسابة والواد هيتعلم منها الصياعة وقلة الأدب. هناك في إسكندرية مع عمته وجوزها المستشار، هيشوف ناس نضيفة ويتعلم أسلوب نضيف.
ناس نضيفة؟ ضحكت بسخرية. ناس نضيفة يستغلوه تلات شهور شغل سُخرة بالليل وبالنهار عشان يوفروا كام ألف جنيه حق بنت تساعدهم؟ محمد.. أنت باصص في عين ابنك بقالك قد إيه؟ شفت الشغف اللي في عينه وهو ماسك المفك الصغير وبيهيأه عشان شغل الورشة؟ شفت الكسرة اللي في عينه لما عرف إن أبوه، السند بتاعه، هو اللي سرق بطاقته وورقه وسلمهم لأمه عشان يخلص من زنها؟
هو مش سرقة! ده ابني وولدي ومن حقي أتصرف في وراقه! محمد بدأ يتلعثم في الكلام، لأنه من جوا عارف إنه غلطان، بس كبريائه كراجل مش سامح له يتراجع قدامي.
لأ سرقة يا محمد، لما تعمل كده من ورايا ومن ورا ابنك يبقى اسمها سرقة وتواطؤ. قربت منه خطوة وبصيت في عينه مباشرة. الورق ده فين يا محمد؟ ورق ابنك فين دلوقتي؟
الورق مع أمي، وهيفضل مع أمي لحد يوم الإثنين الصبح لما تاخده من المحطة وتطلع بيه على إسكندرية. قالها وهو بيلف وشه عني
وعامل نفسه بيقفل سستة جاكيت الشغل. والموضوع ده انتهى، والكلمة كلمتي، وحازم هيسافر يعني هيسافر، ومش عايز أسمع صوت في البيت ده لحد الصبح.
تحس إن الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير. في اللحظة دي، عرفت إن الكلام والنقاش الودي مع محمد مش هيجيب نتيجة. الراجل ده مسلم مفاتيح عقله وبيته لأمه تماماً، ومستعد يكسر ابنه بس عشان يرضي كبريائه قدام عيلته.
بصيت له نظرة طويلة، نظرة خالية من أي مشاعر، النظرة اللي بتخلي الراجل يحس إن الست اللي قدامه مبقتش باقية على حاجة.
ماشي يا محمد.. الكلمة كلمتك، وإحنا هنشوف الكلمة دي هتوصلنا لفين. قلتها بصوت واطي جداً وهادي، ودخلت المطبخ.
قفلت حلة المربى اللي بردت، وشيلتها في الثلاجة. دخلت أوضة حازم، لقيته قاعد على السرير، عينه حمرة وضامم رجله لصدره. قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه.
جهز شنطتك يا حازم. قلتها له بصوت همس.
الواد بص لي بلهفة وصدمة يعني هسافر إسكندرية يا ماما؟ خلاص هترمي هناك؟
لأ يا حبيبي، مش إسكندرية خالص. ابتسمت له ابتسامة مليانة مكر وقوة. جهز شنطتك وحط فيها لبسك كله والمفك بتاعك وكل حاجتك المهمة. إحنا مش هنقعد في البيت ده ولا دقيقة زيادة.
حازم برق بعينه هنروح فين يا ماما؟
هنروح عند جدك.. بيت أبويا مفتوح، وهناك محدش يقدر يكسر لك كلمة ولا يفرض عليك حاجة. أبوك اختار يبيعك لأهله عشان يشتري دماغه، وأنا اخترت أبيع الدنيا كلها عشان أشتريك أنت ومستقبلك. جهز حاجتك بالراحة من غير ما يحس، وأول ما ينام.. هنمشي.
الواد قام بسرعة، وعينه لمعت فيها الأمل من تاني. بدأ يحط هدومه في الشنطة بالراحة وبدون أي صوت. وأنا طلعت الصالة، لقيت
محمد دخل أوضتنا ورزع الباب وراه، وسمعت صوت سريره وهو بيتحرك، دليل إنه رمى جسمه من التعب ونام في ثواني.
وقفت في نص الصالة، بصيت على الحيطان، على الصور، على السفرة اللي شهدت خناقة الصبح. حسيت بغُربة شديدة في المكان ده. البيت اللي الست متأمنش فيه على أولادها من أقرب الناس ليهم، ميبقاش بيت، يبقى سجن.
شيلت تليفوني، وبعت رسالة لوالدي بابا.. أنا وحازم جايين عندك في الطريق، مسافة السكة ونكون عندك، لما أوصل هحكيلك كل حاجة.
رد والدي جه في ثانية تنوري بيتك يا بنتي، أنتِ وابنك فوق راسي، والبيت وصاحبه تحت أمركم. ملوش لزوم الحكي دلوقتي، توصلي بالسلامة وبس.
الرسالة دي ادتني طاقة تخليني أهد جبال. دخلت الأوضة أخدت دهبي وفلوسي اللي شايلاها للزمن، وحطيتهم في الشنطة الصغيره بتاعتي. وبصيت لحازم اللي كان واقف مستنيني عند الباب والشنطة على ضهره، وعينه فيها نظرة راجل جاهز يواجه الدنيا مع أمه.
فتحت باب الشقة براحة شديدة، وخرجنا خطوة ورا خطوة، السلم كان ضلمة بس خطوتنا كانت سريعة وثابتة. نزلت للشارع، الهوا البارد خبط في وشي، والمطر الخفيف بدأ ينزل تاني يغسل تراب اليوم الطويل ده.
أول ما بعدنا عن العمارة بكام متر، حازم بص لي وقال ماما.. بابا لما يصحى الصبح وميلاقناش، هيعمل إيه؟
هيقلب الدنيا يا حازم.. بس ساعتها هيعرف إن مروة لما بتقفل باب، مبيفتحش تاني بالساهل، وإن ابني خط أحمر اللي يقرب منه بيموت.
أخدنا تاكسي وطلعنا على محطة القطر.. بس مش القطر اللي رايح إسكندرية بتاع تيتة كريمة.. القطر اللي رايح لبيت جدي، رايح للمكان اللي بدأنا فيه أول خطوة في معركتنا الحقيقية.
المحطة بالليل كانت
شبه فاضية، الهوا الساقع عمال يصفر بين رصيف ورصيف، وصوت صفارة قطر بعيد بيقطع السكون كل شوية. حازم كان ماشي جنبي متبت في إيدي، شنطة ضهره تقيلة على كتافه بس خطوته كانت ثابتة، كأنه فجأة كبر وتخطى سن المراهقة في كام ساعة. ركبنا القطر اللي طالع على المحافظة اللي فيها بيت أبويا، قعدت جنب الشباك وأنا سانده راسي على الإزاز الساقع، وباصة على أضواء الشوارع والبيوت اللي بتختفي ورا بعضها برة.
جوايا مكنش فيه ندم، كان فيه راحة غريبة.. الراحة اللي بتيجي بعد ما تاخد أصعب قرار في حياتك بس وأنت متأكد مية في المية إنه القرار الصح. بصيت لحازم، لقيت عينيه غفلت ونام وهو ساند راسه على كتفي، وإيده لسه متبتة في المفك الصغير اللي في جيب الشنطة. نمت أنا كمان من كتر التعب، ومصحيناش غير على صوت الكمسري وهو بينادي على اسم محطتنا.
الفجر كان لسه بيشق في السماء لما وصلنا بيت أبويا. البيت القديم اللي قضيت فيه أحلى أيام حياتي، بريحته اللي كلها دفا وأمان. أول ما خبطت، الباب اتفتح في ثانية، وكأن أبويا مكنش نايم ومستنينا ورا الباب من ساعة ما بعتله الرسالة.
تعالي يا مروة، تعالي يا حبيبتي، خطوة عزيزة. أبويا فتح دراعاته وأخدني في حضنه، ومن بعدي أخد حازم وطبطب على ضهره بحنية خلت الواد يتنفس الصعداء كأنه أخيرًا لقى البر اللي هيحاميه.
دخلنا الصالة، وأبويا قفل الباب وراه براحة. بص في وشي الشاحن وفي عينيا المنفوخة من العياط والتعب، ومسألش ولا سؤال.
ادخلي ارتاحي أنتِ والواد الأول يا بنتي، جوة الأوضة جاهزة والسرير متقفل، ناموا واشبعوا نوم، ولما تصحوا لكل حادث حديث. البيت بيتك يا مروة، ومحدش يقدر يمسك
هنا بكلمة. كلام أبويا كان المهدئ
تم نسخ الرابط