الصيف ده هتقضيه عند عمتك كاملة بقلم انجي الخطيب
الصيف ده هتقضيه عند عمتك! الجملة نزلت عليا زي الحكم الصارم. بعد عشر دقائق بالظبط، كنت واقفة قدام السفرة، بقطع التذكرة حتت صغيرة تترمي في الأرض وعيني في عينها بكل تحدي.
بلاش تاخدي الأمور بقفش كده يا مروة، قالتها حماتي ببرود وثبات مستفز، ما تنسيش إن حازم كبر خلاص وبقى طول الباب، وهند لوحدها مع البيبي الجديد ومش قادرة تلاحق على حاجة.
قالت كلامها بالنبرة دي.. النبرة بتاعة حد خلاص رتب كل حاجة وقرر، وكأنها شافتني وأنا بودع ابني وبحضرله شنطته وبحطله فيها بسكوت الشاي اللي خابزاه بإيدي. مفيش ثانية تردد، مفيش حتى سؤال.. أمر واقع وفرضته وخلاص.
على السفرة، جنب السكرية، كانت محطوطة ورقة بيضاء نضيفة وتخينة. القطر المكيف القاهرة الإسكندرية. التحرك الإثنين، الساعة 0740 صباحاً. تذكرة قطر.
كنت واقفة بلم الريم من على وش حلة مربى الفراولة. معلقتي خبطت في حرف الحلة، ونزلت نقطة ملزقة على مفرش المشمع. الجو ورا الشباك كان كتمة ومطين بعد المطر اللي لسه نزل من شوية.
إيه اللي محطوط ده؟ صوتي طلع ناشف ومشحون.
دي التذكرة! أنا رتبت كل حاجة وحجزت. القطر الميعاد ده مضمون ومكيف والولد هيسافر مستريح، وهند هتكون مستنياه في المحطة. يا بنتي ده معاها عيل لسه لحمة حمراء، المفروض تقدري الموقف وتفهمي لوحدك.
المفروض تفهمي لوحدك.. دي الكلمة المفضلة عند حماتي الحاجة كريمة. تقرر وتخطط وتخلص كل حاجة مع نفسها، وبعدين تيجي تقدمهالك على إنه القرار الصح والواجب اللي المفروض الكل يوافق عليه. ولو فتحتي بوقك بنص كلمة، تطلعي في الآخر نكدية ومفترية وأننية.
في اللحظة دي حازم خرج من أوضته عشان يملى كوباية مية كان طويل، عوده رفيع، ولابس تيشرت أسود. عينه جت
ماما؟
استنى يا حبيبي، سيبنا نتكلم بس الأول.
الحاجة كريمة كانت خلاص أخدت راحتها في الشقة وكأنها صاحبة بيت قلعت العباية الخارجية، وحطت شنطتها على الكرسي. وشها كان باين عليه التعب، بس عينيها فيها نظرة انتصار ورضا.
وهنتكلم في إيه بس يا مروة! يونيو، يوليو، أغسطس.. يعني تلات شهور إجازة الصيف كلها. الواد هيفك عن نفسه هناك وشم شوية هوا نظيف في إسكندرية! بدل قعدته دي، هيبقى ليه لزمة، يزق مع عمتة العربية، ينزل يشتري طلبات البيت.. أهو يشيل عنها شوية وهند تعرف تتنفس وتنام لها ساعتين.
بصيت للتذكرة.. الإثنين، سبعة وأربعين دقيقة.
الكل رتب وحسب، وأنا آخر من يعلم في الليلة دي.
ماما، هو أنا مسافر فين بالظبط؟ حازم سأل بصوت واطي، وفيه نبرة قلق واضحة.
عند عمتك هند يا حبيبي، هتقضى الصيف هناك.. عشان تنشف كده وتبقى راجل، بدل طول النهار ما أنت مبرق في شاشة الموبايل ده.
أنا مش قاعد على الموبايل طول الوقت.. أنا خلاص اتفقت مع عمي توفيق، وهبدأ شغل معاه من الأسبوع الجاي.
الحاجة كريمة شاورت بإيدها في الهواء بحركة استخفاف، كأنها بتطش دبانة مضايقاها
أوه! ورشة الميكانيكا بتاعت عمك دي! محسسني إنها وكالة ناسا. مساعدة الأهل والوقوف جنبهم في الأزمات هو ده اللي ليه قيمة وهو ده الأصل.
طفيت عين البوتاجاز.
وهو هناك هيعمل إيه بالظبط يعني؟
مش هيعمل البدع يعني! حاجات بسيطة.. يناولها الببرونة، يهز السرير، يتمشى بالواد شوية في الصالة. شغلانة خفيفة وهو لسه بصحته وشبابه.
حازم كان ساكت، وإيده متبتة في كوباية المية.
ده حتى ممكن بالليل يصحى مع الواد يغيرله ويديله الرضعة عشان هند ترتاح، أضافت الجملة دي كأنها
ساعتها بس فوقت وعرفت الحقيقة. الموضوع مش فسحة ولا مصيف.. هما ببساطة وزعوا نوبتجيات على ابني، وعملوا له جدول شيفتات زي العساكر.
وهي هند مش قادرة تجيب بنت صغيرة تساعدها بأجر وتريح نفسها؟ سألتها.
والفلوس دي بتنزل من السماء يا عين أُمك؟ ردت حماتي بنفخة ضيق وتعب.
وإحنا يعني بنعمل كده ببلاش ولله؟
يا فتاح يا عليم.. لازم تجادلي وتقفليها في وشنا! دي أخت جوزك، يعني أهل، مش ناس غُرب من الشارع.
نفس الفيلم، نفس الاسطوانة اللي بتتكرر، ونفس الكلام المحفوظ.
محمد جوزي كان في نوبتجية الشغل بتاعته. ومن دلوقتي كنت سامعة تنهيدته في التليفون أول ما أحكيله، وجملته المشهورة جرى إيه يا مروة، ما تكبريش الموضوع، مش هتخسري حاجة لما نساعدهم. مش بيقول كده قساوة منه، لأ، بيقولها من غلبه وتعب قلبه. هو لقى إن ريح حماتي وموافتها على كلامها أسهل بكتير من إنه يدخل معاها في جدال يوجع الدماغ ويهد الحيل ومبيجيبش نتيجة.
بس المرة دي، هو مش هيضحي بوقته هو.. هو بيضحي بوقت ابنه ومستقبله.
حازم، ادخل أوضتك ثواني يا حبيبي، قلتله بصرامة. ما تقفش هنا.
بص لنا إحنا الاتنين، وبعدين عينه جت على التذكرة، ودخل قفل الباب وراه.
حماتي وطت صوتها على طول وبدأت توشوشني
بلاش تملي دماغ الواد أفكار وتخليه يتمرد. ده واد زي العسل وبيسمع الكلام، والموضوع ده هيكون في مصلحته. واه، بلاش تكترلي في لبسه وهو مسافر عشان الجو هناك حر رطوبة.
طلعت موبايلي وصورت التذكرة.
بتعملي إيه؟ استغربت وهي رافعة حاجبها.
عشان أكون مطمنة بس.
دخلت أوضة حازم، لقيت شنطة ضهره محطوطة على الكرسي. وفي الجيب الجانبي الصغير كان فيه مفك رفيع، نفس المفك اللي قعد يلمع فيه ويهيأه ليلتها بالساعات،
ماما، أنا مش عايز أروح هناك، قالها بصوت مخنوق.
عارفة يا حبيبي.
أنا مرتب كل حاجة مع عمي توفيق.. ووعدني يديني تمانمية جنيه في الأسبوع، وهيعلمني إزاي أفك وأصلح المواتير بنفسي.
أنا فاكرة كلامنا يا حازم، ومش ناسياك.
قعد على حرف السرير، وضم إيديه لاتنين لبعض، كأنه راجل كبير شايل الهم وبيحاول يدور على مبرر ل كلمة لا عشان ما يطلعش غلطان. كان باين عليه مكسور ومذنب، رغم إنه ما عملش أي حاجة غلط.
بابا كان عارف؟ سألني في الآخر وعينه في الأرض.
هعرف دلوقتي حالا هو كان عارف إيه بالظبط وبايع إيه.
خرجت الصالة، حطيت التذكرة قدامي على السفرة، وطلبت رقم محمد.
محمد، أنت فاضي دقيقة؟
شغال يا مروة.. واقف في كمين على الطريق الزراعي. خير في إيه؟
أنت اللي أخدت بطاقة حازم وشهادة ميلاده وبعتهم لوالدتك؟
الخط قطع منه الصوت للحظات.. سكوت تام.
آه، أنا اللي بعتهم. في إيه بقى؟...
حكايات_انجي_الخطيب
أول ما نطق الجملة دي، حسيت بنغزة في قلبي. الخط كأنه سكت خالص ومبقاش فيه غير صوت الهوا وعربيات النقل التقيلة اللي بتعدي من جنبه في الكمين. قفلت عيني جامد وأنا بحاول أتمالك أعصابي عشان صوتي ما يترعش قدام حماتي اللي كانت قاعدة مراقباني وعينيها بتلمع بانتصار مقرف.
ألو.. مروة؟ أنتِ معايا؟ الخط قطع ولا إيه؟ صوت محمد جه تاني من السماعة، فيه نبرة تهرّب واضحة، النبرة اللي بيلجأ لها دايماً لما يكون عامل مصيبة وعايز يقلبها على إنها أمر عادي ومش مستاهل خناق.
معاك يا محمد، معاك. قلتها بصوت هادي ومخيف، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. بعت ورق ابنك من ورايا يا محمد؟ بتتصرف في مستقبل ابنك كأنه حتة عَفْش بايعها بالتقسيط لأهلك من غير ما
جرى إيه يا مروة!