الصيف ده هتقضيه عند عمتك كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

صوته عِلي سنة بس فيها عتاب مصطنع. ما تكبريش الموضوع بقى وتعملي لنا حكاية من مفيش. دي أمي، كلمتني وقالت لي إن هند تعبانة ومحتاجة حد يقف جنبها. وبعدين فيها إيه يعني لما الواد يسافر يغير جو في إسكندرية ويساعد عمته؟ هو إحنا هنرميه في الشارع؟ ده رايح لأهله وناسه.
أهله وناسه؟ ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع. أهله وناسه دول باصين له على إنه شغال ببلاش، نوبتجي بالليل يصحى يرضع ويغير للبيبي، وشغال بالنهار يزق العربية ويجيب الطلبات. أنت عارف أمك جايبة له تذكرة قطر يوم الإثنين الجاي؟ عارف إنها مرتبة كل حاجة ومقررة بالنيابة عننا كلنا؟
يا مروة اسمعيني بس.. محمد حاول يهديني بس كلامه كان بيزيد النار حطب. أمي كلمتني وقالت لي إن الروحة دي هتصلب طول الواد وتخليه يتحمل المسؤولية. بدل ما هو صيف في صيف قاعد قدام التليفزيون ولا نازل يتسكع مع أصحابه في الشوارع. خليه ينشف شوية.
الواد مش قاعد يتسكع يا محمد! صرخت في التليفون ومبقتش قادرة أتحكم في عصبيتي. ابنك نزل ولف ودور واشتغل على نفسه، واتفق مع عمك توفيق يشتغل في الورشة من الأسبوع الجاي. عمك توفيق هيعلم الصنعة وهيديله تمانمية جنيه في الأسبوع! ابنك عايز يبقى راجل بجد ويعتمد على نفسه، مش يبقى دادة ومشّاويراتي لعمته عشان يوفروا حق البنت الشغالة!
لما قلت سيرة الورشة والفلوس، حسيت بمحمد سكت تلات ثواني. هو عارف إن ابنه نفسه يتعلم ميكانيكا، وعارف إننا محتاجين كل قرش، بس خوفه من زعل أمه كان دايماً أقوى من أي مصلحة تانية.
ورشة إيه وكلام فارغ إيه يا مروة، محمد قالها بنبرة يائسة بيحاول يقنع بيها نفسه قبل ما يقنعني. ورشة ميكانيكا
إيه اللي يدخلها في السن ده؟ عايزة ابننا يتبهدل في الشحم والزيوت والوجع الدماغ ده؟ وبعدين أمي خلاص بلغت هند وهند رتبت نفسها على كده، عيب وميصحش نرجع في كلمتنا مع الناس، شكلنا هيبقى وحش وصغير خالص قدام جوز هند وأهله.
يعني أنت خايف على شكلك قدام جوز أختك، ومش خايف على كرامة ابنك ونفسيته اللي هتتكسر؟ دموعي نزلت غصب عني بس مسحتها بسرعة. قفل الشغل يا محمد، ولما ترجع لنا كلام تاني. بس اعمل حسابك، حازم مش مسافر في حتة، ورجله مش هتعتب محطة مصر يوم الإثنين.
قفلت السكة في وشه قبل ما يديني مبرر تاني من مبرراته الجاهزة اللي بتجيب لي شلل أطفال.
لفيت وشي لقيت الحاجة كريمة واقفة ورايا، مربعة إيديها، وعلى وشها ابتسامة باردة وشماتة مفيش بعد كده. أخدت نفس طويل، ولميت حتت التذكرة المتقطعة من على السفرة ورميتها في باسكيت الزبالة قدامها.
شفتي بقى؟ قالتها وهي بتهز راسها وتتكتك بلسانها. محمد راجل وعارف الأصول، وعارف إن أخته أولى بالجميل ده من الغريب. كلمته كلمة رجالة وخلصت خلاص، والورق معايا وجاهز، ويوم الإثنين الواد هيكون في قطر إسكندرية ورجله فوق رقبته. بلاش تقومي الواد على أبوه وعلى أهله يا مروة، عشان اللعب ده مش هيجيب معاكي سكة.
بصيت لها من فوق لتحت. الطاقة اللي فيا كانت ه تخلص، بس نظرة ابني اللي جوة الأوضة كانت مدياي قوة مش طبيعية.
العباية بتاعتك على الكرسي اهي يا حاجة كريمة، قلتها وأنا بشاور على الباب. وشنطتك اهي. محمد مش هنا دلوقتي، وأنا ورايا تنظيف ومربى على النار وعايزة أشوف مصلحة بيتي. اتفضلي حضرتك بالسلامة، ويوم الإثنين لما ييجي، نبقى نشوف مين اللي كلامه
هيمشي.
وشها احمر واتفاجأت من أسلوبي. هي متعودة إني بسكت وببلع الإهانة عشان خاطر محمد وعشان المركب تسير، بس المرة دي المركب فيها ابني، وفيها مستقبله، ومستعدة أهد المعبد على اللي فيه ولا إن حد يكسر بخاطر الواد.
بتطرديني يا مروة؟ زعقت وصوتها جاب آخر الشارع. بتطردي حماتك من بيت ابنها؟ ماشي يا بنت الأصول، لما ييجي محمد أنا هعرفه إزاي يربيكي من أول وجديد ويدلك على مقامك.
أنا مش بطردك يا حاجة، أنا بقولك اتفضلي بكل ذوق لأن الزيارة انتهت. فتحت لها باب الشقة ووقفت جنبه. ومع السلامة، تلاقي طريق السلامة.
أخدت حاجتها وهي بتبرطم وتدعي وتتحسبن عليا، ورزعت الباب وراها لدرجة إن البيت كله اتهز. أول ما الباب اتمهد، سندت ضهري عليه ونزلت على الأرض. كنت حاسة إن جبل عالي انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت، كنت شايلة هم المواجهة الكبيرة اللي هتحصل بالليل لما محمد يرجع من نوبتجيته.
باب الأوضة اتفتح بالراحة، وحازم خرج وخطواته كانت تقيلة. جه قعد جنبي على الأرض، وبص في عيني.
ماما.. أنتِ طردتي تيتة؟ سألني وصوته فيه خوف ممزوج بفخر مكتوم.
طردتها بالذوق يا حبيبي. مسحت على شعره. تيتة لازم تفهم إن ليك أم وأب، وإنك مش لعبة في إيد حد يوديك ويجيبك على مزاجه.
بس بابا وافقهم يا ماما.. بابا أداهم بطاقتي وشهادتي. دموع حازم لمعت في عينه، والكسرة اللي في صوته قطعت لي قلبي. بابا مش عايزني أشتغل مع عم توفيق؟ هو شايفني فاشل وبتاع موبايلات وبس؟ أنا نفسي أتعلم الصنعة دي يا ماما، نفسي لما أكبر يبقى عندي ورشتي الخاصة ومحتجش لحد.
أنت مش فاشل يا حازم، أنت سيد الرجالة. أخدته في حضني وطبطبت عليه.
أبوك بيحبك، بس هو ساعات بيبقى ضعيف قدام أمه ومش عايز مشاكل. بس المرة دي أنا مش هسكت، حقك هتاخده، والشغل اللي اتفقت عليه مع عمك توفيق هتروحه ورأسك مرفوعة. ادخل أنت كمل قعدتك واطمن خالص، طول ما أنا عايشة وموجودة، مفيش مخلوق هيجبرك على حاجة مش عايزها.
النهار عدى تقيل زي المية الراكدة. ريحة مربى الفراولة كانت مالية الشقة، بس مكنش ليها أي طعم. عملت الغدا وحازم أكل بالعافية ودخل أوضته يقفل على نفسه. الجو برة بدأ يليل، والغيوم اللي في السماء زادت، والبرق بدأ يضرب من بعيد، كأن الطبيعة كمان بتستعد للمعركة اللي هتدور في البيت ده بعد كام ساعة.
الساعة دقت عشرة بالليل. سمعت صوت المفتاح بيدور في الباب. قلبي دق بسرعة بس مكنش خوف، كان حماس للمواجهة.
دخل محمد، باين على وشه الإرهاق والتراب من وقفة الكمين طول النهار، بس كان باين أكتر عليه الغضب المكتوم. رمى كاب الشغل على الكنبة، وقلع الجزمة وبص لي وهو بينفخ.
أهلاً يا ست مروة.. أهلاً بالهانم اللي بقت تطرد أمي من البيت وتعملي فيها سبع الرجال. قالها وهو بيقرب مني وعينه حمراء من الغيمن.
حمد الله على السلامة يا محمد. قمت وقفت قدامه في الصالة، بكل ثبات. غير هدومك، واغسل وشك، وتعال اقعد عشان الموضوع ده لازم يتقفل النهاردة وقبل ما ننام.
أقعد إيه وموضوع إيه! زعق وهو بيخبط بإيده على السفرة. أمي كلمتني وهي بتعيط ودموعها مغرقة وشها! بتقولي مروة فتحت لي الباب وطردتني ورمت حاجتي في الشارع! أنتِ اتجننتي يا مروة؟ جرى لعقلك إيه؟ إزاي تسمحي لنفسك تعملي كده مع الست اللي في مقام أمك؟
أمك ما حكتلكش الحقيقة كاملة يا محمد، دايماً بتنقي
الحتة اللي تخليها فيها
تم نسخ الرابط