الكرامة أولا كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

أمي قالتلي إن الأحسن تقعدي في البيت المرة دي. السنة دي العيد هيبقى على ضيق.. للعيلة وبس.
شريف حتى مكلفش نفسه يرفع عينه من شاشة الموبايل وهو متقحّر على الكنبة. هناء اتسمرت في مكانها في وسط المطبخ، وفوطة المطبخ معصورة في إيدها من الصدمة. كنا يوم وقفة عيد الأضحى، فاضل ساعات والمدفع يضرب والناس تعيّد، وفي لحظة.. شطبوها من العيلة. تاني.. وعشر مرّات.
يعني إيه أقعد في البيت؟ مش فاهمة.
يعني زي ما بقولك كده. وبعدين شقة أمي مش هتستحمل، مش هنقعد فوق بعض يعني والدنيا حر!.. رد عليها وهو بيقيد عينه فيها أخيرًا، بنظرة كلها استغراب كأنها بتسأل سؤال غبي، ومكمل بس هي طلبت منك تعملي الأكل. أهي لستة الطلبات اللي هي عايزاها عشان تلحقي تخلصي.
مد إيده بورقة مكتوبة بخط حماتها الحاجة مرفت؛ خطها المدور المائل اللي هناء حافظاه صم. مسكت هناء الورقة بطراطيف صوابعها كأنها ماسكة قنبلة موقوتة.
الطلبات كانت
صواني الرقاق باللحمة المفرومة، الفتة بالخل والثوم والصلصة تكون متسبكة صح، الموزة الضاني في الفرن، وتلات حلال محشي مشكل، وتظبطي شوربة الكوارع.
وفي آخر الورقة ملحوظة صغيرة وإيدك تبقى فرطة في الرص والنبي يا هنوءة، وخلي اللحمة محمرة ومقرمشة عشان جاي لنا ناس مهمين.
 
ناس مهمين؟ يعني في مكان للضيوف والغُرب في العيد، بس ليها هي.. مفيش مكان!
يعني هي عايزاني أقف قدام النار في الحر ده أطبخ ل عشرين بني آدم، بس مش عايزاني أقعد معاهم على السفرة ناكل لقمة العيد؟
هناء مقالتهاش كسؤال.. قالتها بصوت عالي وهي باصة للفراغ، كأنها بتسمّع نفسها عشان تصدق المهزلة والظلم اللي هي فيه.
أيوا بالظبط، إنتِ أصلاً عاقلة وبتفهمي في الأصول. هما ليهم لمتهم

ودماغهم مع بعض، وإنتِ كنتِ هتقعدي تزهقي وتتفصلي منهم وتنكدي علينا.
طبعًا.. ١٢ سنة جواز! ١٢ سنة هناء هي اللي بتشيل هم ذبيحة العيد، وتقف تقطع، وتطبخ لكل العيلة دي في العزومات، والمواسم، والسبُوع. على مدار ال ١٢ سنة دول، يمكن قعدت معاهم على السفرة تلات مرات بالعدد. وباقي المرات؟ مكانها كان معروف تسخن، تغرف، تقدم، تلم، وتغسل جبال المواعين والحلل الدهنية وهي ضهرها مكسور ورجليها ورمت.
تمام.. ماشي... ردت بهدوء غريب صدمها هي شخصيًا.
شريف هز راسه وهو راضي ومبسوط إن الليلة عدت من غير نكد وخناق وجع دماغ، ورجع يغطس تاني جوه شاشة موبايله بيتابع أسعار الأضاحي.
يوم الوقفة الصبح، هناء كانت واقفة في السوبرماركت والماركت الكبير، قدام جزارة اللحمة. باصة لأسعار اللحمة المفرومة والطلبات اللي تمنها هيسحب نص مرتبها.. الفلوس اللي كانت محوشاها قرش على قرش عشان تجيب لبس العيد وتدلع نفسها شوية.
مدت إيدها، وبصت للورقة، و...
الفصل الثاني العاصفة الهادئة
مدّت هناء إيدها، وبصت للورقة المكتوبة بخط حماتها المدور، وبعدين بصت لطبق اللحمة المفرومة اللي سعره صدمها. بصت للرقم المطبوع على التيكت الإستيكر؛ الرقم كان كفيل يطير نص مرتبها اللي شقيانة فيه طول الشهر في المدرسة الخاصّة اللي بتشتغل فيها. الفلوس دي مكنتش مجرد ورق في محفظتها، دي كانت شقا عمر كام شهر فاتوا، شايلاهم قرش على قرش عشان تنزل تشتري بيهم فستان العيد اللي شافته في الفاترينة، وشنطة وجزمة جديدين، كانت عايزة تحس إنها بني آدمة، إنها لسه ست عايشة وبتفرح بالعيد زي بقية خلق الله.
وقفت في وسط زحمة السوبرماركت الكبيرة يوم الوقفة. الأصوات حواليها كانت متداخلة؛ زعيق العيال الصغيرين،
صوت كاسيت المحل وهو بيشغل أغنية يا ليلة العيد آنستينا، ضحك الستات وهما بيشتروا المكسرات والرقاق الناشف، وزحمة طوابير الكاشير. وسط كل الهيصة دي، هناء كانت حاسة ببرود شديد وجفاف في حلقها.
أنا بعمل في نفسي كده ليه؟
السؤال ده ضرب في دماغها زي الطلقة. ١٢ سنة وهي بتلعب دور الضحية المطيعة، الست الأصيلة اللي بتستحمل عشان البيت يكمّل، والنتيجة إيه؟ بقيت الشغالة المستوردة بلقمتها اللي بتطبخ لعشرين بني آدم في العيد الكبير، وهما قاعدين في التكييف يستنوا الفتة والكوارع، وهي تقعد في بيتها تاكل عيش بجبنة لوحدها عشان البيت مش هيستحمل والدنيا حر!
سحبت هناء إيدها من على طبق اللحمة ببطء، كأنها بتسحب حياتها كلها من تحت ضرس شريف وأمه. طبقت الورقة بتاعة الحاجة مرفت أربع تربع، وحطتها في جيب عبايتها. لفت ضهرها للمطبخ والجزارة، وتمشت بخطوات ثابتة ورايقة ناحية قسم المنظفات، جابت صابون مواعين بريحة الليمون، وأكياس قمامة سوداء كبيرة، وشوية حاجات خفيفة ليها هي علبة جبنة بيضا ثلاجة، رغيفين عيش سن، واثنين كيلو مانجا فص تفرح بيهم نفسها.
لما وقفت في طابور الكاشير، طلعت الفلوس من المحفظة وعدّت تمن حاجتها وبس. الباقي شالته في جيب سري وهي حاسة بنبضة حرية أول مرة تحس بيها من سنين. الموقف كان غريب، بس النبضة دي كانت بتغسل من جواها كل قهر السنين اللي فاتت.
رجعت البيت العصر. شريف كان نايم في التكييف، وصوت شخيره مالي الصالة. دخلت المطبخ بهدوء، حطت الحاجات القليلة اللي اشتريتها في الثلاجة، وقعدت على كرسي المطبخ الخشب. المطبخ كان ضيق وضلمة، بس بالنسبة لها في اللحظة دي كان زي غرفة عمليات بتخطط فيها لأكبر عملية انتحارية في تاريخ جوازها... أو
جايز أكبر عملية إنقاذ لنفسها.
الساعة بقت سبعة بالليل، الموبايل بتاعها ميرنش.. ده صرخ. شريف صحي على صوت رنتها.
ردي يا هناء، دي أمي أكيد بتطمن على الحاجة.
مسكت هناء التليفون، وفتحت السبيكر عشان شريف يسمع.
أيوة يا هنوءة يا بنتي، عملتي إيه؟ اللحمة اتفرمت؟ والرقاق جبتي الطري ولا الناشف؟ والنبي ركزي في السمنة البلدي عشان طنطك نادية جاية وجايبة جوز بنتها معاها، والناس دي أكيلّة!
صوت الحاجة مرفت كان طالع فيه نبرة تعالي واضحة، نبرة الست اللي بتأمر وعارفة إن أمرها مطاع.
هناء ردت بنبرة صوت ناعمة وهادية جداً، نبرة خالية من أي غضب أو عصبية
أهلاً يا ماما، كل سنة وحضرتك طيبة. أنا نزلت السوبرماركت فعلاً وجبت المنظفات وحاجات البيت.
الحاجة مرفت استغربت منظفات إيه يا بنتي؟ أنا بكلمك على لحمة العيد وصواني الرقاق! شريف سلمك اللستة والفلوس؟
هناء بصت لشريف اللي كان قاعد على الكنبة بيهز في رجله ومستني يسمع، وقالت
آه، شريف سلمني اللستة يا ماما. بس حضرتك نسيتي تحطي الفلوس مع اللستة. وشريف قال لي إن الشقة عند حضرتك مش هتكفي، وإني هبقى غريبة وسط عيلتكم والناس المهمين اللي جايين. وأنا الصراحة فكرت في كلامه ولقيته صح جداً.. أنا فعلاً هبقى مش من العيلة، ومينفعش أدخل شقة حضرتك وأنا غريبة عن الضيوف. وعشان كده، أنا قررت مأحرجش حضرتك ولا أحرج نفسي.
الخط قطع للحظة من صدمة الحاجة مرفت، قبل ما تزعق
يعني إيه؟ الأكل مين هيعمله؟ العزومة بكرة يا هناء بعد صلاة العيد مباشرة! الناس جاية على لحمة وفتة!
هناء ردت ببرود إنجليزي
والله يا ماما، الستات المهمين اللي جايين لحضرتك أكيد بيعرفوا يطبخوا، أو ممكن شريف ينزل دلوقتي يلحق يشتري لحمة جاهزة أو يحجز
لكم من مطعم مشويات. أنا برضه غريبة، وإيدي
تم نسخ الرابط