جـدران الرمـاد كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

رجليها مش شايلاها. قعدت على أقرب كرسي، وحطت وشها بين إيديها. مكنتش بتعيط، الدموع كانت ناشفة في عينيها، بس كان في هبوط حاد في طاقتها، كأن المعركة اللي خاضتها سحبت كل نقطة دم ونشاط من جسمها.
افتكرت حياتها مع أحمد في الأول.. افتكرت لما كانوا بيختاروا ألوان الحوائط دي، لما كانت بتقول له أنا عايزة الصالة دي واسعة ومفيهاش كركبة عشان لما نرجع من الشغل نلاقي مكان يريح العين. وافتكرت هو كان بيقول لها إيه أنا هعمل لك كل اللي أنتِ عايزاه يا حنان، أنتِ ملكة البيت ده.
ملكة البيت.. ضحكت بسخرية ومرارة وهي بتفتكر الكلمة. الملكة دي اتهانت في مطبخها، واتفتش في خصوصياتها، وبقت مطالبة تخدم وتسمع الإهانات وتطأطأ راسها عشان المركب تسير.
قامت حنان ببطء، وشمرت كمامها. بدأت تلم المية بالمساحة، وتنشف الأرض. كانت بتتحرك بآلية غريبة، كأنها إنسان آلي. مسحت المية، ورجعت السجاد مكانه بعد ما نشفته بفوطة، ودخلت المطبخ شالت اللحمة وغسلتها وحطتها في الفريزر. رجعت كل علبة بهارات وكل برطمان رز لمكانه القديم اللي طنط هدى غيرته. كانت بتسترد بيتها شبر شبر، كأنها بتطهر المكان من طاقة السيطرة والتدخل اللي كانت خانقاها.
الساعة بقت حداشر بالليل. الشقة رجعت زي ما كانت؛ هادية، مرتبة، وريحة الكلور بدأت تختفي ويحل محلها ريحة النظافة الهدية. حنان دخلت الحمام، أخدت دوش دافي طويل، غسلت فيه تعب اليوم كله وخنقة الأسابيع اللي فاتت. لبست بيجامة مريحة، وعملت كوباية شاي بحبق، وقعدت في الصالة مستنية.
مستنية المعركة التانية والأخيرة.. معركة أحمد.
الساعة عدت اتناشر ونص بالليل لما سمعت صوت المفتاح بيدور في الباب. حنان متهزتش، فضلت قاعدة ومسندة ضهرها على الكنبة، وبتشرب من كوباية الشاي الهادية.
أحمد دخل. خطوته كانت تقيلة، وشه كان باين عليه الإرهاق بس الغضب لسه متداري تحت جفونه. قفل الباب وراه بالراحة، ووقف في نص الصالة يبص للتغيير اللي حصل. شاف الشقة
رجعت تلمع ومرتبة، وشاف حنان قاعدة بكل برود وثقة، وكأن مفيش مصيبة حصلت من كام ساعة.
قرب منها ووقف قدام السفرة، حط مفاتيحه بعنف على الخشب وقال بصوت مكتوم ومليان تهديد
أنتِ قاعدة رايقة أوي.. وشايفة نفسك منتصرة صح؟ فرحانة إنك كسرتي كلامي ومشيتي كلمتك وطردتي أبويا وأمي في نص الليل؟
حنان خدت بق شاي، وحطت الكوباية على الترابيزة بالراحة، وبصت له
أنا مطردتش حد يا أحمد. هما اللي قرروا يمشوا لما لقوا إن السيطرة بتاعتهم مش هتمشي عليا. وهما شقتهم جاهزة ومنورة، يعني م اترموش في الشارع زي ما مامتك كانت بتصوت وتعمل دراما.
أحمد ضرب بإيده على السفرة بعنف
متجبيش سيرة أمي على لسانك! أمي دي ست ضفرها برقبتك وبرقبة عيلتك كلها! أنتِ فاكرة نفسك إيه يا حنان؟ بقيتي ست مفترية وقوية من امتى؟ من امتى وأنتِ بتردي عليا وبتعلي صوتك وبتقولي الشقة باسمي وبفلوس أبويا؟ أنتِ بتهددي بيتك يا حنان؟ بتهددي جوزك؟
حنان وقفت، ووقفتها كانت فيها طول وثقة خلت أحمد يرجع خطوة لورا من غير ما يحس. بصت في عينيه مباشرة وقالت
أنا مبهددش بيتي يا أحمد.. أنا بحمي اللي فاضل منه. البيت ده انهد من ساعة ما أنت سمحت لأهلك يدخلوا يهدوا فيا وفي كرامتي وأنت واقف تتفرج ومبسوط. من ساعة ما بقيت بتشوفني خايبة ومقصرة لمجرد إني بشتغل وبساعدك في مصاريف الحياة اللي لولا شغلي ده مكنتش هتعرف تدفع قسط واحد من الشقة اللي أنت كاتب عقودها باسمك!
أحمد صوته علي أكتر
هو ده اللي فارق معاكِ؟ الفلوس والشغل والشقة باسم مين؟ الست الأصيلة بتشيل جوزها وأهله في عينيها، مش بتقعد تحسب بالمليم وتقول أنا دفعت وأنا عملت! أنتِ طلعتي ست مادية وناقصة أصل يا حنان!
الكلمة دي كانت الأخيرة اللي ممكن حنان تستحملها. ضحكت، والضحكة دي جرحت كبرياء أحمد أكتر من أي زعيق.
أنا ناقصة أصل يا أحمد؟ أنا اللي فتحت بيتي لأهلك شهر ونص، وكنت باجي من شغلي هلكانة ألاقي الإهانات والتلقيح شغال وأسكت عشان خاطرك؟
أنا اللي كنت بشتري بفلوسي اللحمة والطلبات اللي طنط هدى وعمو حسين بيتشرطوا عليها ومبيقولوش حتى كلمة شكراً؟ أنا اللي استحملت مامتك وهي بتفتش في غسيلي وفي ضلف مطبخي كأني عيلة قاصرة مش ست بيت؟ لو ده نقص أصل، يبقا كتر خير أصلي اللي خلاني استحملت كل ده!
أحمد فرك وشه بعصبية، وحس إن الحجج بتاعته كلها بتتدمر قدام منطقها الصارم. قال بنبرة فيها محاولة أخيرة لفرض السيطرة
طب اسمعي بقا يا بنت الناس.. الشقة دي مش هقعد فيها وأنا حاسس إن مراتي بتمنّ عليا بيها. وبابا وماما مش هيدخلوا هنا تاني طول ما أنتِ فيها. وأنا كرامتي متسمحليش أعيش مع ست عاصية ومشيت كلامها عليا. قدامك حل من الاتنين؛ يا إما تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك لحد ما تتعلمي الأدب والأصول وتيجي تبوسي إيد أمي وتعتذري لها، يا إما...
حنان قاطعته ب نبرة هادية وقاطعة زي السيف
يا إما إيه يا أحمد؟ هتطلقني؟
أحمد اتفاجئ بالكلمة. كان فاكر إن كلمة الطلاق هتخليها تترعب وتعيط وتتراجع، زي ما بيحصل في الروايات والمسلسلات اللي طنط هدى بتسمعها. بس حنان كانت بتتكلم بروقان وثبات خلاه هو اللي يخاف.
تنحنح وقال بتلعثم
لو ده اللي أنتِ عايزاه.. لو عايزة تخربي بيتك بإيدك عشان شقة وفلوس، يبقا الطلاق هو الحل فعلاً.
حنان هزت راسها بالموافقة، ومشيت خطوتين ناحية الأوضة، وقبل ما تدخل لفت وبصت له
تمام يا أحمد. أنا مش هلم هدومي وأمشي، لأن دي شقتي وبفلوسي زي ما قلت لك، واللي عايز يمشي ويتعلم الأصول هو اللي يخرج بره. الطلاق هيكون بالمعروف. المحامي بتاعي هيتصل بيك بكرة عشان نخلص الإجراءات، وتاخد حاجتك وهدومك والفلوس اللي أنت حطيتها في الشقة دي هترجع لك بالمليم، مش هسيب لك حجة تقول إن حنان أكلت حقي.
أحمد وقف مذهول
أنتِ بتتكلمي بجد؟ بتبيعي سنين عمرنا وحبنا عشان خناقة مع أمي؟
حنان بصت له بنظرة حزينة، نظرة وداع حقيقية
أنا مبعتش يا أحمد.. أنت اللي بعت من زمان. بعتني لما سمحت لهم يكسروني،
وبعتني لما اخترت ترضي كبرياء أهلك على حساب كرامة مراتك اللي شقاها وتعبها هو اللي شايل البيت ده معاك. الحب مبيعيشش في بيت مفيش فيه احترام. والحيطان دي مش هتقبل تعيش فيها ست مكسورة.
ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بالراحة.
قعد أحمد في الصالة لوحده. بص حواليه للشقة المرتبة، الهادية، اللي ريحتها نظافة. حس بفراغ قاتل بيبلعه. تليفونه رن، بص فيه لقى اسم ماما. رد بصوت مخنوق
أيوة يا ماما..
صوت طنط هدى جه من الناحية التانية، حامي ومليان تحريض
أيوة يا واد يا أحمد، عملت إيه مع الحرباية دي؟ طردتها بره البيت وكسرت دماغها ولا لسه؟ أوعى تكون ضعفت قدامها، دي ست مفترية وعايزة تكسر كلمتك!
أحمد بص لباب الأوضة المقفول، وبص لمفاتيح شقته المرمية على السفرة. حس بوزن الكلمات وثقل السيطرة اللي أمّه بتمارسها عليه حتى وهو في
بيته ومستقبله بيضيع. قال بصوت واطي ومكسور
خلاص يا ماما.. كل حاجة خلصت. حنان طلبت الطلاق والشقة هتفضى.
طنط هدى شهقت بفرحة متدارية
في داهية! الباب يفوت جمل! ست فقرية ومبتعرفش الأصول، بكره أجوزك ست ستها، ست صاينة وتعرف قيمة الحما والراجل!
أحمد قفل السكة من غير ما يرد. رمى التليفون على الكنبة، وحط راسه بين إيديه. لأول مرة يحس ببرد الشتاء الحقيقي يدخل جواه، ولأول مرة يستوعب إن المركب اللي حاول يمشيها على حساب كرامة مراته.. غرقت بالكلور والمية، ومبقاش ليها قومة تاني.
في الأوضة جوه، حنان كانت واقفة جمب الشباك، بتبص لشارع شبرا الهادي في نص الليل. النور بتاع العواميد كان بيعكس على قزاز الشباك. خدت نفس عميق، ولأول مرة من شهر ونص، حسّت إن الهوا بيدخل صدرها نظيف، من غير ريحة تقلية، ومن غير طاقة نكد وتحكم.
كانت عارفة إن الأيام اللي جاية هتكون صعبة، في المحاكم وفي كلام الناس وأسطوانات المجتمع اللي مبتخلصش عن الست المطلقة. بس وهي بتبص لبيتها المرتب، ولنفسها في المراية، كانت متأكدة من حاجة واحدة.. إنها استردت
نفسها، وده كان يستاهل أي ثمن.
النهاية

تم نسخ الرابط