جـدران الرمـاد كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

بتاعتك لوحدك، إحنا عايشين هنا كلنا، ومش أنتِ اللي هتمشينا على مزاجك وتقولي مين يقعد ومين يمشي!
هنا، المشهد رجع لنقطة البداية. الخناقة الكبيرة اللي مفيش بعدها رجوع.
حنان بصت لأحمد، وبصت لحماتها اللي كانت بتداري ابتسامة نصر ورا دموعها المزيفة، وبصت لعم حسين اللي خرج من البلكونة عشان يشهد كسرة حنان.
حنان خدت نفس طويل، ورمت أكياس اللحمة على الأرض وسط المية والكلور، وبصت لأحمد في عينه وقالت ب نبرة هزت الصالة
الشقة دي باسمي أنا يا أحمد.. ورث أبويا اللي حطيتوا كله هنا، والوصولات والقسط بيتدفع من حسابه. الشقة دي بتاعتي.. ومحدش هنا هيقعد غصب عني!
الفصل الثالث والأخير جدران الرماد
ساد الصمت الشقة لعدة ثوانٍ بدت وكأنها دهر كامل. تلاشت أصوات المترو البعيدة، واختفى صوت الشيشة من البلكونة، ولم يعد يُسمع في الفراغ سوى صوت قطرات الماء التي تسقط من مساحة طنط هدى لتصطدم بالأرضية الغارقة بالكلور. كانت الكلمات التي ألقتها حنان كالقنبلة التي شطرت المكان نصفين، جردت الجميع من أقنعة الواجب ووضعت النقاط فوق الحروف التي طالما حاول أحمد طمسها.
أحمد وقف مسمرًا في مكانه، وشه اتقلب ألوان؛ من الأحمر الداكن للأصفر الباهت. بص لحنان بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة، أو كأنه مش قادر يستوعب إن الست الهادية، المطيعة، اللي كانت بتعدي الكلمة والكلمتين عشان المركب تسير، هي نفسها اللي واقفة قدامه دلوقتي وعينيها بتطق شرار.
طنط هدى، بمهارة سينمائية متوارثة، سابت المساحة تقع من إيدها تماماً، وحطت إيدها على قلبها وهي بتصوت بصوت مكتوم
يا لهوي! يا مري! أنتِ بتطردينا يا حنان؟ بتطردي حماكِ وحماتك من شقة ابنهم؟ جرى إيه
يا أحمد! واقف تفرج عليا الهانم وهي بترميني بره في الشارع؟ بقا دي آخرة تربيتي ليك؟ بقا دي آخرة الشقا عشان أشوفك راجل في بيتك؟
عم حسين دخل من البلكونة بخطوات تقيلة، وجلابيته ترفرف وراه، وعلامات الغضب والمهانة مرسومة على وشه التجاعيد زادت فيها. وقف جمب مراته وحط إيده على كتفها وهو بيبص لأحمد بنظرة كلها احتقار وتقليل
الظاهر إني معرفتش أربي.. الظاهر إنك مش مالي مركزك فعلاً يا أحمد زي ما أمك كانت بتقول. الست لما تعلي صوتها على أهل جوزها وتطرد حماتها، يبقا العيب مش عليها.. العيب على الراجل اللي سايب لها الحبل على الغارب، ومخليها تفتكر إن بفلوسها تقدر تشتري كرامتنا!
الكلام كان بينزل على أحمد زي السكاكين. النظرة اللي في عين أبوه كانت بتضربه في مقتل، في حتة الرجولة والسيطرة اللي المجتمع فهمه إنها متكملش غير بكسر الست. التفت لحنان، وعينيه كانت مليانة غل حقيقي، غل ناتج عن ضعفه وعجزه، مش عن قوته.
قرب منها خطوتين، لدرجة إن جزمته داست في مية الغسيل المخلوطة بالكلور، وزعق بصوت هز حيطان الصالة
أنتِ اتجننتي يا حنان؟ فلوس إيه وورث إيه اللي بتتكلمي عليه قدام أبويا وأمي؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ عشان حطيتي قرشين في الشقة دي هتذلينا بيهم؟ الشقة دي شقتي أنا كمان، والاسم اللي مكتوب في عقد الإيجار والقسط والتوكيل هو اسمي! اخلصي من النغمة دي واعتذري لأمي حالا.. اعتذري وبوسيها على راسها، وإلا وعهد الله هيكون ليا تصرف تاني معاكِ!
حنان متهزتش. الموقف كان أكبر من إنها تخاف. الضغط اللي عاشته على مدار شهر ونص، من تفتيش في ضلف المطبخ، للتدخل في لبسها، لمواعيد رجوعها، للنظرات اللي بتقلل من شغلها وتعبها،
كل ده ا تكثف في اللحظة دي وتحول لدرع صلب حماها من الخوف.
بصت له من فوق لتحت ببرود قاتل، وقالت بصوت هادي وواضح
مش هعتذر يا أحمد. ومش هبوس راس حد. الشقة دي بفلوس أبويا الله يرحمه، والمقدم كله مدفوع من حسابه، والوصولات معايا في الخزنة باسمي وبإمضتك على الشيكات اللي سددت بيها نصيبك اللي لسه مخلصش أصلاً. أنت اللي كنت بتستسهل وتكتب العقود باسمك عشان المنظر الاجتماعي اللي ضيعنا. وأنا سكتت عشان قلت جوزي وحبيبي والبيت واحد. لكن لحد هنا والأصول بتقول إن اللي ملوش خير في صاحب البيت ملوش مكان فيه. طنط هدى وعمو حسين شقتهم خلصانة من أسبوعين.. أنا كلمت البواب الصبح وعرفت إن النقاش خلص ومشي، وهما قاعدين هنا استسهال وتوفير. فمن غير لف ودوران.. الليلة دي تكون آخر ليلة ليهم هنا.
الكلمة نزلت كالصاعقة. طنط هدى وقفت على رجلها فجأة، والتعب والوجع اللي كانت بتدّعيه اختفى في ثانية، وحطت إيديها في وسطها ولفت لأحمد
سمعت؟ سمعت الهانم؟ بتفتش ورايا وتكلم البوابين! شفت الخبث والغل اللي في قلبها؟ إحنا قاعدين عندك استسهال يا أحمد؟ إحنا اللي طافحين الكوتة وعاملين لكم قيمة؟ طيب و غلاوتك عندي يا حسين، ما أنا قاعدة في البيت ده ولا دقيقة تانية! يلا بينا يا أبو أحمد، نرجع شقتنا بالتراب والنعكشة اللي فيها، ولا نقعد في حتة نتهان فيها من حتة بت لا راحت ولا جت!
عم حسين شد مراته من إيدها وهو بيبص لأحمد بنظرة أخيرة مليانة قسوة
يلا يا هدى. لمي هدومنا. المكان ده مبقاش ينفعنا. والراجل اللي مبيعرفش يحمي كرامة أبوه وأمه، م يستاهلش نعيش تحت سقفه.
أحمد كان واقف في نص الصالة بيغلي. بص لحنان وكأنه عايز ينهي وجودها من الدنيا،
وبص لأهله اللي دخلوا الأوضة التانية وبدأوا يلموا الهدوم في الشنط بعصبية وبصوت عالي ومسموع. جرى وراهم وهو بيحاول يهديهم
يا بابا عشان خاطري استنى.. يا ماما والله ما هتمشوا كده، دي شقتكم والبيت بيتكم والهانم دي هي اللي هتمشي لو مش عاجبها!
لكن طنط هدى كانت واخدة القرار بالدراما الكاملة؛ كانت بتلم الهدوم بلهفة مستفزة، وترميها في الشنطة وهي بتعيط وتدعي على حنان بصوت عالي
حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا حنان.. يا رب تشوفي في صحتك وبيتك زي ما عملتي فيا وهنتيني وشمتي فيا البوابين.. حسبي الله ونعم الوكيل!
حنان كانت واقفة في الصالة، مبتحركش ساكن. شافتهم وهما بيقفلوا الشنط الكبيرة، وبيخرجوا من الأوضة واحد ورا التاني. عم حسين شال الشنطة التقيلة، وتخطى حنان وكأنها حشرة مش موجودة على الأرض، وخرج من باب الشقة من غير ما يلتفت. ووراه طنط هدى، اللي بصت لحنان نظرة أخيرة مليانة غل وحقد، وتفت على الأرض وهي خارجة وقالت بيتك الخربان أهو، اشبعي بيه!
أحمد خرج وراهم وهو شايل الشنطة التانية، وشه كان أسود زي الطين. وقف على الباب، وبص لحنان وقال بنبرة مليانة تهديد ووعيد
أنا نازل معاهم وهوصلهم لحد شقتهم. ولما أرجع يا حنان.. حسابي معاكِ هيكون طويل أوي. جهزي نفسك عشان الليلة دي مش هتعجيكِ.
ورزع الباب وراه برزعة هزت البيت كله.
لما الباب اتقفل، فجأة حل الهدوء.. بس مكنش هدوء مريح، كان هدوء المقابر بعد الدفن. حنان وقفت لوحدها في نص الصالة الغرقانة مية وكلور. بصت حواليها؛ الكراسي متزحزحة من مكانها، السجاد ملموم ومتبهدل، ريحة الكلور الحامية بتخنق الصدر، وأكياس اللحمة اللي اشترتها بفلوس قسط الجمعية مرمية في
المية على الأرض.
حسّت فجأة إن
تم نسخ الرابط