جـدران الرمـاد كاملة بقلم انجي الخطيب
المحتويات
حنينة يا حنان، شقة بابا وماما محتاجة وش نظافة ومحارة والنقاش هياخد وقت، وهما تعبانين من التراب والروائح. إيه رأيك يقعدوا معانا أسبوعين لحد ما الشغل يخلص؟ البيت واسع وإحنا ملناش حد غيرهم. حنان وقتها، بدافع الأصول والواجب، وافقت على طول وقالت له دول في عيني يا أحمد، الشقة شقتهم.
لكن الأسبوعين بقوا تلاتة، والتلاتة بقوا شهر، والشهر بقا شهر ونص. والنقاش البرنس اللي شغال في شقة الحماوات كل شوية يطلع بطلعة جديدة؛ يوم يقول السيراميك محتاج يتغير، ويوم يقول المحارة رطبت ولازم تنشف، وأحمد يبتسم ويقول معلش يا حبيبتي، هانت، كمان أسبوع والبيت يرجع لنا. بس حنان بدأت تحس إن الموضوع مش نقاشة.. الموضوع استسهال. طنط هدى لقت مكان جاهز، مريح، مكيف، وفي حد بيصرف ويشتري طلبات السوبر ماركت، وهي واخدة فيه دور الكل في الكل.
بعد نص ساعة، الباب خبط خبطات سريعة ومستعجلة. حنان اتنهدت وقامت فتحت. كان أحمد. دخل وقفل الباب وراه بسرعة كأنه مستخبي.
حنان، أنتِ بجد هتقعدي في الأوضة ومش هتاكلي معانا؟ ماما زعلت ودموعها نزلت، وبابا عمال يلومني ويقول لي أنت مش مسيطر في بيتك.
حنان بصت له ببرود أنا مش جعانة يا أحمد. وبعدين أنا مقلتش حاجة غلط، أنا طلبت ببساطة محدش يدخل يغير نظام المطبخ. هل ده طلب مستحيل؟
أحمد قرب منها وحط إيده على كتفها يحاول يهدّيها مش مستحيل يا ستي، بس الطريقة.. أنتِ عارفة الستات الكبار بياخدوا الكلام ده على كرامتهم. ماما طول عمرها هي اللي بتمشي بيتها، ولما بتيجي هنا بتحس إنها عايزة تفضل مفيدة، مش ضيفة تقيلة.
حنان شالت إيده من على كتفها بهدوء، وقعدت على طرف السرير وهي مش
أحمد بدأ ينفد صبره، ملامحه اتغيرت وصوته علي سنة جرى إيه يا حنان؟ هما أهلي جايين من الشارع؟ دول أبويا وأمي! وبعدين هما يعني هيقعدوا العمر كله؟ كلها كام يوم والشقة تخلص. استحملي عشان خاطري، بلاش تخلي شكلي وحش قدامهم كأني مش مالي مركزي.
حنان ضحكت بسخرية ووجع مالي مركزك؟ هو مركزك مبيتمليش غير لما أنا أتهان وأسكت؟ لما مامتك تدخل تفتش في لبس الغسيل وتقول لي الجاكت ده غالي اطلعي بيه ليه، ولما باباك يبص لي كأني ست مقصرة وخايبة لمجرد إني بشتغل؟ هو ده مركزك؟
أحمد لف وشه بعصبية أنتِ بقيتي بتدققي في كل كلمة وتكبري المواضيع. أنا خارج عشان مش هخلص من الخناق ده. وساب الأوضة ورزع الباب وراه.
تاني يوم الصبح، حنان صحيت بدري قبل الكل. كانت عايزة تنزل من غير ما تقابل حد. لبست بسرعة وخرجت على الصالة في هدوء، بس لقت طنط هدى قاعدة على الكنبة، ولابسة نظارة القراءة وبتقمع بامية!
المنظر صدم حنان.. الساعة لسه سبعة الصبح، والست قاعدة بكامل نشاطها في الصالة.
صباح الخير يا طنط، حنان قالتها وهي بتسحب شنطتها.
طنط هدى رفعت عينها من فوق النظارة وبصت لها بنظرة متفحصة صباح النور يا اختي. على فين على الصبح كدا؟ أنتِ مش شغلك بيبدأ تسعة؟
حنان عندي مشوار قبل الشغل يا طنط.
طنط هدى
حنان وهي بتفتح باب الشقة حاضر يا طنط، هشوف لو الوقت قضى.
طنط هدى زعقت وراها وهي خارجة يعني إيه لو الوقت قضى؟ بقولك عمك حسين مبيكلش غيرها! لازم تعملي حسابك وتيجي بدري عشان تلحقي تطبخيها، أنا ضهري وجعني ومش هقدر أقف على البوتاجاز النهاردة.
حنان مقدرتش ترد، قفلت الباب وراها ونزلت السلم بسرعة كأنها بتهرب من سجن. نزلت الشارع، الجو كان لسه طراوة بتاع الصبح، والناس بتجري على أكل عيشها. ركبت المترو، ووقفت وسط الزحمة وهي حاسة بتقل في صدرها. المترو بيتحرك وهي بتفكر حياتي راحت فين؟ فين الشقة الهادية اللي كنت بختار ستائرها بالواحدة؟ فين أحمد اللي كان بيصالحني بوردة لو اتقمصت؟
اليوم في الشغل مر كأنه سنة. حنان مكنتش مركزة، ومديرها لفت نظرها مرتين لأنها غلطت في أرقام الميزانية الجديدة. طول الوقت بالها مشغول باللي بيحصل في البيت. الساعة جت خمسة، وميعاد روحها جه. لقت نفسها واقفة قدام الجزار اللي حماتها قالت عليه. اشترت اللحمة، ودَفعت مبلغ وقدره، وهي بتفكر إن الفلوس دي كانت شايلاها عشان قسط الجمعية. بس قالت لنفسها مش مهم، المهم أشتري دماغي واليوم يعدي من غير نكد.
رجعت البيت الساعة ستة ونص. فتحت الباب، ولقت الصدمة التانية مستنياها.
الصالة كانت مقلوبة. السجاد بتاع ليفنج الشقة كله كان ملموم، وفي جردل مية ومساحات في نص الصالة،
حنان دخلت مذهولة إيه ده؟ في إيه؟
طنط هدى خرجت من الحمام، وهي رابطة راسها بإيشارب ومشمّرة كلابيبها أهو، جيتي في وقتك. السجادة الكبيرة بتاعت الصالة اتدلق عليها شاي من عمك حسين، فقلت بالمرة نسيّق الشقة كلها ونغسل السجاد. اقلعي كدا وهمي معايا نخلص قبل ما أحمد ييجي.
حنان شافت المنظر، وحست إن في حاجة جواها انكسرت. الشقة اللي تعبت في نظافتها قبل ما تنزل، متبهدلة ومقلوبة. وهي راجعة شايلة أكياس ولحمة وتعبانة من الشغل، ومطلوب منها تشمر وتغسل سجاد في نص الليل!
أنا مش هغسل سجاد يا طنط، حنان قالتها بصوت هادي، بس الهدوء ده كان بيسبق العاصفة. أنا راجعة هلكانة، واللحمة اللي طلبتيها معايا اهي. المطبخ مطبخك اطبخيها أو سيبوها للكرة، إنما هدد حيل في البيت مش هقدر.
في اللحظة دي بالظبط، باب الشقة اتفتح ودخل أحمد. شاف المنظر؛ أمه رابطة راسها وواقفة وسط المية، وحنان واقفة بشنطتها وشكلها غضبان، وأبوه بيزعق من البلكونة.
طنط هدى أول ما شافت أحمد، رمت المساحة من إيدها وقعدت على أقرب كرسي وهي بتنهج وتعيط شفت يا أحمد؟ شفت مراتك؟ نازلة من النجمة وراجعة تقولي مش هساعدك، وبتمنّ علينا باللقمة اللي جابتها! أنا اتهنت في بيتك يا ابن بطني.. أنا مش قاعدة هنا ولا دقيقة تانية!
أحمد وشه احمر، وبص لحنان بعيون مليانة غضب أعمى. قرب منها وزعق في وشها قدامهم كلهم
أنتِ إيه معندكيش دم؟ مش شايفة أمي ست كبيرة وتعبانة وواقفة في المية؟ جرى لك إيه يا حنان؟ من ساعة ما أهلي دخلوا البيت وأنتِ مقلوباها
متابعة القراءة