جـدران الرمـاد كاملة بقلم انجي الخطيب
يعني إيه شقتك لوحدك يا حبيبتي؟ إحنا كلنا عايشين تحت سقف واحد، ومش أنتِ اللي هتمشينا على مزاجك وتقولي مين يقعد ومين يمشي! حماة حنان طنط هدى زعقت والدم غلي في عروقها.
أنا قلت لأ يعني لأ، حنان ردت وهي بتجز على سنانها وبتحاول بكل ما فيها من قوة متفقدش أعصابها. الشقة دي شقتي أنا، وباسمي.. وأنا مش هسمح...
شقتك؟ قاطعتها طنط هدى وهي بتبص لها بنظرات سخرية وعدم تصديق. والأصول والعيلة ملهمش لازمة عندك؟ جرى إيه يا أحمد؟ أنت سامع الهانم مراتك بتقول إيه؟!
قبل الخناقة بكام ساعة...
حنان فتحت باب الشقة بالراحة، ومكنش عندها طاقة حتى تدخل. الساعة كانت عدت تسعة بالليل. راجعة من الشغل هلكانة بعد يوم طويل وضغط مشروع في الشركة شفط طاقتها كلها. وزي كل يوم مؤخراً، أول ما حطت رجلها في الصالة، لقت الجو مشحون وصوت الزعيق واصل للشارع.
أهو.. شرفت الهانم في مواعيدها المتأخرة! حمااتها طنط هدى رمت الكلمة أول ما شافتها داخلة. أحمد قاعد ومستني ميت من الجوع!
حنان خدت نفس عميق وهي بتلعق جاكت الشغل. البيت ده، اللي المفروض يكون مكان راحتها وملاذها الخاص، بقا غريب عنها. بقت تحس إنها ماشية في حقل ألغام، وإنهم مستحملينها فيه تأدية واجب مش أكتر.
من شهر ونص فاتوا، لما أحمد طلب منها يستضيفوا أبوه وأمه كام يوم لحد ما شقتهم تخلص توضيب ونداهة النقاشين تخلص، حنان وافقت من غير ما تفكر. قال إيه، أسبوعين تلاتة بالكتير وأزمة وتعدي. لكن الأسابيع جرت ورا بعضها، والحبايب استقروا، والموضوع قلب لكابوس ملوش آخر.
في المطبخ
مساء الخير، حنان قالتها وهي داخلة المطبخ.
أحمد وأبوه عم حسين كانوا قاعدين على السفرة،
أنا مش قايلة لك تيجي الساعة سبعة بالكتير؟ حمااتها كملت بنفس نبرة التأنيب والتحكم اللي بقت روتين يومي. البيت هنا ليه نظام ومواعيد، إحنا ناس متعودة نتغدى ونتعشى في أوقات محترمة!
حنان فتحت التلاجة بهدوء مصطنع، وبتحاول متظهرش أي نرفزة كان عندي تسليم شغل مهم، ومكنش ينفع أمشي وأسيب المشروع واقف.
شغل.. شغل.. طنط هدى تريقت ب لَوّية بوز. ومين بقى يشوف طلبات جوزها؟ اتكلم يا أحمد، قول لمراتك كلمة!
أحمد انكمش في كرسيه، وبان عليه العجز، أو يمكن الخوف من إنه يختار صف ويزعل التاني يعني يا حنان... لو كان ينفع تيجي بدري شوية عن كده... قالها وهو مش قادر يبص في عينيها.
حنان ضغطت على شفايفها بوجع. قبل ما أهله يجوا، مكنش عمره بيحاسبها على تأخير الشغل ولا بيعمل منها قضية. لكن من ساعة ما دخلوا البيت وهو اتقلب ١٨٠ درجة. أو يمكن هي اللي بدأت تشوفه على حقيقته دلوقتي.
أيوا فعلا، عم حسين وافق مراته، وهو بيلف وشه أخيراً عن التلفزيون. الست المفروض بيتها وجوزها يكونوا أولويتها الأولى.. بنات الأيام دي بقا...
حنان جسمها خشب من الكلمة. بقالها قد إيه بتسمع أسطوانة بنات الأيام دي، كأنها تهمة متفصلة ليها؟
أنا هحضر لقمة ناكلها، حنان اتكلمت وهي بتطلع أكياس السوبر ماركت.
ماتتعبيش نفسك، طنط هدى قاطعتها وهي بتشاور بإيدها باستهانة. أنا طبخت وعملت كل حاجة. ودخلت كمان رتبت لك ضلف المطبخ وال بانتري من أول وجديد، كنتِ حاطة الحاجة بكركبة تفتح النفس!
حنان اتسمرت
يعني إيه رتبتيها تاني؟ المطبخ ده مطبخي أنا يا طنط...
بالظبط، مطبخك...
طنط هدى قاطعتها بابتسامة صفرا باهتة، وهي بتمسح إيديها في الفوطة بروقان مستفز، وكأنها بتلقّن حنان درس مجاني في الأصول. بس أنتِ بنتي يا حبيبتي، والبيت بيت ابنيردّه، وأنا مدخلتش غريبة! وبعدين كتر خيري إني قادرة أقف على رجلي وأستتِف لك الكركبة دي كلها. دَنا ملقيتش علبة بهارات في مكانها، والرز محطوط جمب المكرونة، وحاجة تشيب! الست الشاطرة إيديها في بيتها أول بأول يا حنان، مش تيجيلنا وش الفجر وعايزة كل حاجة تمشي بالمسطرة.
حنان كانت واقفة في نص المطبخ، صوابع إيديها لسه لافة على أكياس السوبر ماركت لدرجة إن الأكياس علّمت في جلدها وبقت حمرا. الدم كان بيهرب من وشها تدريجي، وحسّت بضربات قلبها بتسرع لدرجة إنها سامعة دبتها في ودانها. المطبخ ده، اللي قعدت تنقي كل شبر فيه، من أول لون الخشب لحد مكان البرطمانات الصغيره، بقا فجأة مسرح لسيطرة حد تاني. حد بيفتش وراها، بيعيد ترتيب حياتها على مزاجه، وكمان بيمنّ عليها بالجميل!
بصت ل أحمد اللي كان بره في الصالة، مستني الإشارة عشان يهرب بعينه تاني للشاشة. زعقت ب نبرة مكتومة بس حادة، وهي بتلتفت لحماتها
يا طنط، أنا مش مكركبة المطبخ ولا حاجة، أنا نظامي كده وعارفة مكان حاجتي بالظبط! لما بتغيري الأماكن أنا بتوه في بيتي.. ده غير إن دي خصوصية، مش بحب حد يدخل يلعب في الضلف وأنا مش موجودة.
طنط هدى شهقت، وحطت إيدها على صدرها كأن حنان ضربتها بالقلم
يلعب؟! أنا بلعب في حاجتك يا حنان؟ كتر خيري إني قايمة من الفجر، وضهري مكسور عشان أعمل لقمة تطفحوها
عم حسين مكدّبش خبر، هز راسه بأسف وهو بيمصمص شفايفه، ومن غير ما يشيل عينه من على الماتش قال بصوت جهوري
جرى إيه يا بنتي؟ عيب كدا، دي في مقام والدتك ومصلحة بيتك تهمها. الست الكبيرة لما تمد إيدها في حتة بتبرّكها، مش تقولي خصوصية وما خصوصية! كلام قنوات التلفزيون ده مأكلناش عيش.
حنان لفت وشها وبصت لأحمد، كانت مستنية منه كلمة.. كلمة واحدة ترد لها اعتبارها، أو على الأقل تحط حد للتدخل ده. أحمد فرك إيديه في بعض، وبص لحنان بنظرة رجاء، نظرة ضعيفة بتقول عدي الليلة عشان خاطر أمي ومشاكلها الصحية. تنحنح وقال بصوت واطي
خلاص يا حنان.. ماما مقصدهاش حاجة، هي بس حبت تساعدك بما إنك بتيجي متأخرة. حصل خير، فوتيها بقا.
فوتيها.. الكلمة دي بقيت حنان بتسمعها أكتر ما بتسمع اسمها في البيت ده. فوتيها عشان المركب تسير، فوتيها عشان طنط هدى ضغطها ميعلاش، فوتيها عشان عم حسين ميزعلش. بس محدش كان بيسأل المركب دي بتسير على حساب مين، ومين اللي بيتفرك من جوه عشان يفضل ساكت.
حنان سابت المطبخ ودخلت أوضتها، رمت الأكياس على الكومودينو وقعدت على السرير وهي بتترعش من كتمة الغيظ. الأوضة دي بقت هي المكان الوحيد اللي لسه فاضل لها فيه ريحة من حياتها القديمة، حياتها قبل شهر ونص، لما كانت بتدخل شقتها تلاقي هدوء وسكينة، تفتح الباب تلاقي ريحة بخور هادي، مش ريحة تقلية توم ومحشي من الضهر، وأصوات تلفزيون عالية مبتفصلش.
قلعت الجاكت ورمته على الكرسي، وبصت في السقف. افتكرت أول يوم أحمد فتح معاها الموضوع. كانوا قاعدين في البلكونة بيشربوا