الكرامة أولا كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

أهو، وورقة طلبات أمك في جيب الجاكيت اللي بره.. ابقوا اطبخوا لنفسكم في المواسم الجاية.
شريف حاول يمسك الشنطة ويمنعها وهو بيزعق ويقولها إنها بتهد بيتها بسب عزومة وأكل، بس هناء بصت له بصه أخيرة خلت إيده تسيب الشنطة لوحدها. نظرة ست مبقاش فيها مكان للخوف أو التراجع.
خرجت هناء من باب الشقة، ونزلت السلم بخطوات خفيفة كأنها بتطير. الهوا بتاع ليل العيد كان بارد ومنعش، وبيرد الروح. ركبت تاكسي، ولما السواق سألها على فين يا مدام؟، ردت بابتسامة صافية لأول مرة من ١٢ سنة
على بيت أبويا يا أسطى.. وديني لمكاني الصح.
الفصل الثالث ردود الأفعال ولعبة شد الحبل
نزلت هناء من التاكسي قدام بيت أبوها في حي روض الفرج؛ حي شعبي قديم بس ريحة العيد فيه ليها طعم تاني. الشوارع كانت منورة بالزينة المحمولة بين البلكونات، وصوت الأغاني طالع من القهاوي، وعيال صغيرة بتجري بمبي صواريخ ويرقعوا ضحك. هناء أخدت نفس عميق وهي شايلة شنطتها الكبيرة. لأول مرة من ١٢ سنة، تحس إن الهوا بيدخل صدرها من غير ما يكون مكتوم بوجع أو قهر.
طلعت السلم، وقلبها بيدق. لما فتحت لها والدتها، الحاجة عايدة، بكتفها المحني وشالها الأبيض، هناء رمت الشنطة من إيدها واترمت ده كان فيه ريحة الأمان اللي اتسحبت منها سنين.
في إيه يا هنوءة؟ يا بنتي مالك؟ وشريف فين؟ الحاجة عايدة سألت بلهفة وخوف وهي بتطبطب على ضهرها.
مفيش يا أمي.. تعبت، وجيت أرتاح في بيتي.
دخل أبوها، عم صلاح، الراجل الطيب اللي طلع على المعاش من شركة الحديد والصلب، وبص للشنطة وبص لوش بنته. بصلها بنظرة الأب اللي فاهم كل حاجة من غير ما يتكلم. قعد على الكنبة وقال بصوت
دافي ومصحوب بكبرياء
سيبوها ترتاح وتغير هدومها، وبعدين نتكلم. بيت أبوكي مفتوح لك يا هناء في أي وقت.. العيد أهو جالك لحد عندك.
على الناحية التانية، في شقة شريف، الدنيا كانت قايدة نار.
بعد ما هناء مشت ورزعت الباب، شريف فضل واقف في وسط الصالة زي الصنم، باصص للمكان الفاضي اللي كانت واقفة فيه. تليفونه مكنش بيبطل رن. دي أمك، الحاجة مرفت.
أيوة يا شريف! زفت الطين دي فين؟ أنا بكلمها تليفونها مقفول! إنت لازم تيجي دلوقتي تاخد أختك منى تروحوا تجيبوها من شعرها من بيت أبوها! دي ست قليلة الأصل، تكسرنا وتصغرنا قدام الضيوف وتمشي؟
شريف رد بصوت مخنوق ومكسور
مش هينفع يا أمي.. هناء مشت. سابت البيت وخدت هدومها وقالت إنها عايزة تتطلق.
تتطلق؟! الحاجة مرفت شهقت وصوتها سمع الجيران، تتطلق عشان حتة عزومة؟ دي بتلوي دراعنا عشان حسينا إننا محتاجين لها؟ سيبها! سيبها تغور في داهية، والله ما هي ملاقية ضفر جزمة راجل زيك! بكره أجوزك ست ستها، ست ب ١٠٠ راجل وتعرف الأصول وتخدم عيلتك وهي حاطة جزمتك فوق راسها!
الحاجة مرفت كانت بتتكلم بغل، بس من جواها كانت مرعوبة. هي عارفة إن هناء مش مجرد شغالة، هناء كانت الوتد اللي شايل بيتها وشايل مظهرية العيلة قدام الناس. منى أخت شريف كانت قاعدة جنب أمها، وشها أصفر من التعب بعد ما غسلت جبل المواعين المحروقة بتاعة العيد، وقالت لوالدتها بصوت واطي
بس يا ماما.. مين هيعمل عزومة ثالث يوم العيد لبيت حمايا؟ ومين هينضف الشقة؟ أنا ضهري اتقطم النهاردة في شوية مواعين، والرز طلع معجن وجوز نادية اتريق علينا وخرج جعان!
الحاجة مرفت بزجر اسكتي أنتِ! متصغريناش! إحنا عيلة
السيوفي، مش حتة حتة زي دي اللي تمشي كلامها علينا. تلاقيهم دلوقتي هيموتوا من الخوف في بيت أبوها ومستنيين شريف يروح يصالحها.
تاني يوم العيد الصبح..
صحي شريف لقى الشقة تضرب تقلب. ريحة الشياط لسه مالية المطبخ، الغسيل متكوم في الحمام، ومفيش لقمة تتاكل. اتعود يصحى يلاقي فطار العيد جاهز؛ الكبدة المحمرة بالثوم، والعيش السخن البلدي، والبيت ريحته بخور ونضافة. قعد على السرير وراسه هتنفجر من الصداع. فتح موبايله وبعت رسالة لهناء على الواتساب
أنا عديت ليلتك بمزاجي عشان العيد، إنما شغل العيال ده ميمشيش معايا. لمي هدومك وأنا هعدي عليكي بليل آخدك، ومش عايز كلام كتير قدام أبوكي عشان منظرك.
الرسالة اتشافت.. Seen.. بس مفيش رد.
شريف فضل باصص للشاشة مستني ال Writing لكن مفيش فايدة. هناء قرأت الرسالة، وعملت بلوك لشريف على الواتساب وعلى المكالمات. الحركة دي خلت الدم يضرب في نافوخ شريف. بقى أنا يتعملي بلوك؟!
لبس هدومه بعصبية، ونزل ركب عربيته وطلع على روض الفرج. طول الطريق كان بيغلي، بيفكر إزاي هيدخل يبهدلها ويفهم أبوها إن بنته ناقصة رباية وبتهد بيتها من غير سبب.
وصل قدام البيت، طلع السلم ورزع على الباب بقوة. فتح له عم صلاح وهو لابس جلبابه الأبيض ونظارته القراءة.
أهلاً يا شريف. اتفضل... قالها عم صلاح بهدوء وثبات خلى شريف يتراجع خطوة لورا ويهدي نبرة صوته شوية.
دخل شريف الصالة، لقى الحاجة عايدة قاعدة، وهناء مش موجودة.
فين هناء يا عمي؟ اندهالي من جوه لو سمحت عشان نلم الليلة دي ونمشي. إحنا في عيد والناس بتتفرج علينا.
عم صلاح قعد، وشاور لشريف يقعد، وبص له ببرود
هناء مش خارجة يا
شريف. وهناء مش هتمشي معاك.
شريف بدأ يتعصب وعليّ صوته
يعني إيه مش خارجة يا عمي؟ دي مراتي! بقالنا ١٢ سنة متجوزين، جاية النهاردة تسيب البيت وتخرب عشها عشان أمي طلبت منها تطبخ؟ هي الطباخة دي عيب ولا حرام؟ ما كل الستات بتطبخ لأهالي جوزها! ولا هي بنتك على راسها ريشة؟
عم صلاح قلع النظارة، وحطها على التربيزة ببطء، وبص لشريف بنظرة حادة زي الموس
بنتي مش على راسها ريشة يا شريف.. بنتي في بيتي معززة مكرمة. الطبخ مش عيب، وخدمة الزوج مش عيب. العيب والنقص هو قلة الأصل. لما بنتي تقف ١٢ سنة على رجليها تخدمك وتخدم أهلك في السراء والضراء، وتصرف من مرتبها وتساعدك في مصاريف بيتك، وتيجي أمك في الآخر تقولها أنتِ غريبة ومحدش عايز يشوف وشك على السفرة بس اطبخي لنا وانجري اقعدي في بيتك، وأنت كراجل تقف وتوافق وتمد إيدك باللستة وتطردها من الباب.. يبقى العيب فيك وفي بيتك مش في بنتي.
شريف وشه جاب ألوان يا عمي دي أمي! وأمي شقتها ضيقة، وبعدين إحنا كنا بنهزر معاها، هناء قلبها أسود وبتكبر المواضيع!
هنا الباب الجواني اتفتح، وخرجت هناء. كانت لابسة عباية بيتي رايقة، ووشها هادي، مفيش في عينها دموع ولا ضعف. بصت لشريف وقالت
أنا قلبي مش أسود يا شريف. أنا قلبي مات من ناحيتك. ١٢ سنة وأنا بستحمل كلام أمك المسموم، وأختك اللي بتتعامل معايا كأني شغالة عندها، وأنت.. أنت اللي كنت المفروض تبقى ضهري وأماني، كنت بتفرج عليا وأنا بتهان وبتتبهدل وبتتبسط لما بتلاقيني ساكتة ومستحملة عشان تقول مراتي أصيلة. أصيلة في مفهومك يعني ملهاش كرامة؟
شريف قام وقف وزعق يعني إيه؟ أنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ أنتِ نسيتي نفسك؟
أنتِ عانس من غيري! أنتِ عندك ٣٦ سنة، مين هيبص
تم نسخ الرابط