الكرامة أولا كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

يمكن متجيبش طعم الأكل اللي يعجب ضيوفك المهمين. يلا، كل سنة وأنتم طيبين.
وقفت هناء المكالمة.
شريف اتنطر من على الكنبة كأن عقرب لدغه. وشه بقى أحمر وعروقه برزت
إنتِ اتجننتي يا هناء؟ إنتِ بتكلمي أمي كده إزاي؟ وإيه حكاية الفلوس والأكل دي؟ إنتِ عايزة تسودي وشي قدام أهلي في أول يوم العيد؟
هناء قامت وقفت وبصت له في عينه بثبات مكنش يعرفه فيها. طريقتها الضعيفة والمهزوزة اختفت
أسود وشك؟ ليه يا شريف؟ هو أنا اللي قولت لك قولها تقعد في البيت عشان شقة أمك متستحملش؟ هو أنا اللي قولت لك إن ماليش مكان على سفرتكم؟ بقالي ١٢ سنة بطبخ، وبغسل، وبتخدم على عيلتك، وبقعد في الآخر آكل بواقي الأكل في المطبخ لوحدي وأنا ضهري مكسور، وعمري ما اتكلمت. السنادي أمك قررت تمنعني من الدخول أصلاً، بس عايزاني أكون الشغالة اللي بتجهز الحفلة لل أسياد. لأ يا شريف.. لحد هنا وبس. أنا مش هطبخ لقمة واحدة بره بيتي ده.
طب واللحمة والفلوس؟ إنتِ نزلتِ تشتري إيه؟ شريف زعق وهو بيمسكها من دراعها.
هناء نفضت إيدها من إيده بقوة
نزلت اشتريت حاجات لبيتي وأكلي أنا بكرة. فلوسي اللي شقيانة فيها مش هصرفها على عزومة أمك وضيوفها عشان تتباهى بيا قدامهم وأنا محبوسة هنا زي الكلبة. فلوسك معاك، انزل اشتري بيهم اللي أنت عايزه.
شريف ساب البيت ورزع الباب وراه وهو بيشتم وبيدعي عليها، ونزل لأمه عشان يشوفوا هيتصرفوا إزاي في الكارثة دي. العيد بكرة، ومفيش فتة، ومفيش رقاق، ومفيش محشي!
ليلة الوقفة عدت على هناء وهي حاسة بسلام داخلي غريب. صلت العشا وقعدت تقرأ قرآن وتكبر تكبيرات العيد وهي بتعيط، بس المرة دي دموعها مكنتش دموع قهر، كانت دموع غسيل من كل الإهانات اللي
استحملتها. نامت نوم عميق ومريح مضاقتوش من سنين.
يوم العيد الصبح.
صحي الصبح على صوت تكبيرات العيد من الجامع اللي جنب البيت الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله....
قامت هناء، أخدت دوش دافي، وسرحت شعرها، ولبست أحسن عباية عندها. دخلت المطبخ وعملت لنفسها كوباية شاي بلبن محترمة مع قطعتين كحك كانوا عندها من عيد الفطر. قعدت في البلكونة تشرب الشاي وتتفرج على الناس في الشارع وهما لابسين لبس العيد ورايحين يصلوا. الفرحة كانت مالية الشوارع، ولأول مرة، هناء كانت حاسة إنها جزء من الفرحة دي، مش مجرد مكنة طبخ وخدمة.
الساعة بقت ١٢ الضهر. الموبايل مبطلش رن من شريف وأمه وأخته منى، بس هناء عملت للموبايل كله صامت وحطته في الدولاب.
لبست الفستان القديم بس النضيف، وخدت شنطتها، وقررت تنزل. نزلت تتمشى في شوارع القاهرة الرايقة يوم العيد الصبح. راحت السينما، دخلت فيلم كوميدي كانت عايزة تشوفه من زمان، وقعدت تضحك من قلبها وسط الناس. بعد الفيلم، راحت قعدت في مطعم نضيف على النيل، طلبت لنفسها وجبة كباب وكفتة وشوربة، وأكلت بمزاج وراحة بال ملوش مثيل. كانت باصة للنيل وهي بتقول لنفسها اللقمة دي بطعم الكرامة.. والكرامة طعمها أحلى من أي فتة ورقاق.
على الجانب الآخر، في شقة الحاجة مرفت... الأجواء كانت أشبه بيوم القيامة.
الشقة كانت مقلوبة. طنط نادية وبنتها وجوز بنتها المهمين وصلوا وقاعدين في الصالون، والتكييف مش ملاحق على حرارة الجو وزحمة الشقة. شريف ومنى والحاجة مرفت كانوا واقفين في المطبخ، وشوشهم عرقانة ومتبهدلة.
شريف نزل بليل اشترى لحمة مفرومة ولحمة ضاني بأسعار سياحية خربت ميزانيته، بس المشكلة مكنتش في الفلوس.. المشكلة
إن محدش فيهم بيعرف يطبخ زي هناء!
يا شريف! الرقاق طالع ناشف زي الحطب ومن غير طعم! أمك حطت الشوربة باردة! منى كانت بتزعق وهي ماسكة صينية الرقاق المحروقة من الطراف.
وأنا مالي أنا؟ ما تشوفي أمك! والصلصة بتاعة الفتة اتحرقت وريحة الشياط واصلة للناس بره! شريف رد وهو بيمسح عرقه بفوطة متسخة.
الحاجة مرفت كانت قاعدة على كرسي المطبخ، ضغطها عالي، ووشها أصفر
بقى حتة الحتة دي تعمل فينا كده؟ تكسر كلمتي في يوم زي ده؟ الناس بره هيقولوا عليا إيه؟ السفرة فاضية يا شريف! الرز معجن واللحمة ناشفة ومش مستوية! دي كانت بتعمل كل ده في غمضة عين وبتقف على رجليها بالساعات ومبتنطقش!
شريف حس بالندم، بس ندم أناني.. ندم لأنه خسر الشغالة المجانية اللي كانت بتريحه وتنقذه في المواقف دي. افتكر إزاي كان بيقعد يتفرج على التلفزيون وهي بتلف المحشي وتسبك الصلصة وتعمل الشوربة، وتطلع السفرة كأنها لوحة فنية، وهو يا دوب يقوم يغسل إيده ويقعد ياكل.
خرجت الحاجة مرفت للضيوف بابتسامة صفرا ومخبية كسفتها
معلش يا نادية يا حبيبتي، الأكل اتأخر شوية أصل الشغالة اللي بتساعدنا تعبت فجأة ومجتش بكرة، وإحنا بقى اللي عملنا الأكل بإيدينا.. ههههه.. تيك اواي يعني!
طنط نادية بصت لبنتها بنظرة فهم وغمزت لها، ولما الأكل حطوه على السفرة.. الصدمة كانت باينة. الأكل مكنش يتاكل، الرز كتلة واحدة، واللحمة بتشد، والرقاق محروق. الضيوف أكلوا لقمة واحدة مجاملة، وقاموا بدري بحجة إنهم تعبانين وعايزين يناموا.
الساعة بقت تمنية بالليل لما هناء رجعت البيت. كانت شايلة في إيدها كيس فيه كيلو مانجا فص وكتاب جديد اشترته من سور الأزبكية وهي بتمشى.
فتحت باب الشقة، لقت المكان
ضلمة. دخلت الصالة وولعت النور، لقت شريف قاعد في الضلمة، هدومه مبهدلة بريحة البصل والشياط، ووشه في الأرض.
لما شافها داخلة وشكلها منور، ولابسة وشيك، وريحتها حلوة، ومبتسمة.. حس بنار بتاكل في قلبه. قام وقف وندم الدنيا كله في عينه، بس ممزوج بكبرياء أهبل
كنتِ فين يا هناء؟ وسايبة تليفونك مقفول ليه؟ إنتِ عارفة إيه اللي حصل بسبك النهاردة؟ أمي ضغطها عليّ والناس مشيت ومأكلتش حاجة، وشكلي بقى زبالة قدام جوز بنت طنط نادية!
هناء حطت المانجا على التربيزة، وقلعت الشنطة بهدوء، وبصت له وقالت
شكلك بقى زبالة عشان أمك طماعة وعايزة تظهر بمظهر مش بتاعها على حساب كرامتي، وأنت راجل وافقتها وبعت مراتك عشان ترضيهم. بسببي أنا؟ لأ يا شريف، بسبب أنانيتكم.
شريف قرب منها وصوته هدي
خلاص يا هناء.. حصل خير. اللي حصل حصل. أمي عرفت قيمتك والبيت كله عرف إن من غيرك مفيش حاجة بتمشي. خلاص بقا متكبريش الموضوع، ادخلي المطبخ اعملي لنا لقمة عدلة ناكلها، أنا من الصبح مأكلتش لقمة تفتح النفس.
هناء ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة فيها سخرية ووجع قديم بيتصفى
أعمل لك لقمة؟ هههه.. لأ يا شريف، أنت مش فاهم. أنا مش زعلانة عشان أصالحك وتصالحني. أنا النهاردة وأنا قاعدة قدام النيل، أخدت قراري. ال ١٢ سنة اللي فاتوا دول أنا شطبتهم من عمري، زي ما أمك شطبتني من ورق العيلة.
شريف اتخض يعني إيه؟
هناء دخلت الأوضة، طلعت شنطة هدومها الكبيرة اللي كانت مجهزاها من بليل ورا الدولاب. حطت فيها هدومها الأساسية وحاجتها الشخصية وسط ذهول شريف اللي واقف مش مصدق.
يعني أنا رايحة أقضي بقية أيام العيد في بيت أبويا. ومن هناك، المحامي بتاعي هيتواصل معاك عشان نخلص موضوع الطلاق
بالذوق وبكل هدوء. شقتك أهي، ومطبخك
تم نسخ الرابط