الضحكة الاخيرة قبل الانتقام حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

إيدين الحراس بدأت تتفك بهدوء مريب.
فهمت في اللحظة دي إن ياسين كان مجرد عسكري على رقعة الشطرنج، وإن اللعبة أكبر من غسيل أموال.. دي كانت تجارة بشر وبشرة، والكل كان بيمثل دوره ببراعة عشان يوصلوا للي في بطني.
خالد بص في عيني وقرأ اللي بفكر فيه، طلع مسدسه المكتوم وقال نيرة، اللوكيشن ده فخ.. بس هو الفخ الوحيد اللي هيخرجنا من الدايرة دي. أنا همشي وراكي من غير ما حد يشوفني، والمرة دي.. مفيش أسرار.
ركبت عربيتي وتحركت، والطريق للملاحات كان كأنه طريق للقبر. وصلت للمخزن المهجور، الدنيا كانت ضلمة، وصوت الموج كان بيضرب في الصخر زي طبول الحرب. دخلت وأنا ماسكة بطني، وفجأة النور اشتغل..
لقيت طفل قاعد على كرسي عالي، لابس بدلة شيك، وفي إيده لابتوب، وحواليه شاشات بتعرض تحركات الجيش والشرطة في اللحظة دي! الطفل لف بالكرسي، وبص لي بعينين واسعة ولونها غريب.. ونطق ببرود
أهلاً يا ماما نيرة.. تأخرتي ليه؟ المعلم الكبير مستنيكي في أوضة العمليات جوه.. والعملية هتبدأ دلوقتي، بس مش عشان ياخدوا اللي في بطنك.. عشان يحطوا عقلي أنا في جسم ابنك هو!
الرعب شل حركتي، والباب اتقفل ورايا بجنازير حديد، وظهر من الضلمة شخص مكنتش أتوقع أشوفه ولو في كابوس.. إلهام؟
الحاجة إلهام كانت واقفة ببالطو أبيض ومشرط في إيدها، وبتقول بضحكة مجنونة ياسين كان خايب.. بس أنا اللي زرعت البذرة، وأنا اللي هحصد المحصول.. نورتي بيتك يا نيرة!
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة قنبلة موقوتة تحت رجلي.. والعد التنازلي بدأ 10.. 9.. 8..
يا ترى خالد هيوصل؟ ولا نيرة هتبقى مجرد وعاء لأكبر جريمة علمية في تاريخ البلد؟ وليه يونس عايز يهرب من جسمه؟ الحكاية لسه فيها سر هيدمر كل اللي عرفناه!
العد التنازلي كان بيصفر في ودني زي صرخة موت 7.. 6.. 5..
إلهام قربت مني والمشرط في إيدها بيلمع ببرود مرعب، وعينيها مفيهاش ذرة رحمة. انتي فاكرة إننا محتاجينك؟ إحنا محتاجين الخزنة اللي إنتي شايلاها.. يونس تعب من جسمه الضعيف، ومحتاج جسم ابنك البيور عشان يكمل حكم الإمبراطورية!
يونس كان قاعد ورا الشاشات بيبص لي ببرود لا يمكن يصدر عن طفل، وكأنه بيتفرج على
فيلم سينما. وفي اللحظة اللي العداد وصل فيها ل 2، والمشرط لمس رقبتي.. الحيطة اللي ورانا انفجرت!
خالد دخل وسط الغبار وهو بيضرب نار احترافي، بس الصدمة إن الرصاص مكنش بيجي في إلهام، الرصاص كان بيخبط في درع زجاجي مخفي حوالين العمليات. يونس ضحك بصوت رفيع ومستفز يا خالد.. إنت لسه بتلعب بأسلحة بدائية؟ أنا اللي مصمم نظام الدفاع هنا.
فجأة، صوت تكة القنبلة وقف عند رقم 1. يونس كشر وبص للشاشة إيه ده؟ مين اخترق السيستم بتاعي؟
من وسط الدخان، ظهرت غادة.. بس مكنتش غادة اللي أعرفها. كانت لابسة سماعات تقنية وماسكة جهاز فك شفرات معقد، وبصت لي بابتسامة ثقة المحاسبة الشاطرة يا نيرة هي اللي بتعلم صاحبتها إزاي تقرأ الأرقام المخفية.. أنا مكنتش مخطوفة، أنا كنت بزرع فيروس في دماغ يونس الإلكترونية من ساعة ما دخلنا المستشفى!
يونس بدأ يصرخ وهو شايف الشاشات بتاعته بتتحرق وتطلع نار، وإلهام اتجننت وبدأت تضرب بالمشرط في الهوا وهي بتصوت مستحيييييل! ده شقا عمري!
خالد استغل اللحظة وكسر الدرع الزجاجي بطلقة مركزة، وسحبني لبرة والأنوار بدأت تفرقع في كل حتة. إلهام حاولت تهرب، بس يونس مسك إيدها بقوة غريبة لو أنا هضيع.. إنتي كمان هتضيعي يا جدتي!
المخزن كله بدأ ينهار، وإحنا بنجري على الرمل، ورايا انفجار هز الأرض لدرجة إننا اترميت لبعيد. بصيت ورايا، المخزن بقى رماد، وإلهام ويونس اختفوا وسط النار.
خالد سندني وهو بينهج خلاص يا نيرة.. الكابوس انتهى بجد المرة دي.
بعد شهر واحد..
كنت واقفة قدام المرايا في بيتي الجديد، البيت اللي ملوش سلم، البيت اللي ملوش أسرار. خالد كان قاعد برة بيجهز عقيقة يونس.. أيوه، سميت ابني يونس، عشان أثبت لنفسي إن الخير دايماً بيكسب في الآخر.
فتحت السلسلة الدهب اللي في رقبتي، وكنت لسه هرميها في البحر، بس عيني لمحت حاجة جوه الفص الصغير بتاعها.. كود محفور بالليزر، مبيظهرش غير تحت ضوء الشمس المباشر.
مسكت الموبايل وصورت الكود، وبعته لغادة عشان أشوف ده إيه.. مفيش دقيقة وغادة كلمتني بصوت مرعوب نيرة.. الكود ده مش حساب بنكي ولا بيانات..
أمال ده إيه يا غادة؟
ده عنوان مختبر ب.. وفيه
رسالة صوتية متسجلة بتاريخ النهاردة، ومبعوتة من رقم يونس!
فتحت الرسالة، وجالي صوت يونس الطفل وهو بيضحك بهدوء ماما نيرة.. إنتي فاكرة إن الانفجار بيموت العقول؟ أنا دلوقتي جوه السحابة.. ومستني أخويا الصغير يكبر عشان نلعب مع بعض اللعبة الكبيرة.. سلام يا ماما.
بصيت لابني اللي نايم في سريره بسلام، وفجأة.. الولد فتح عينه، وشفت فيها نفس اللمعة الغريبة اللي كانت في عين يونس التاني.
ابتسم لي ابني ابتسامة مش بتاعة أطفال، وحرك صباعه الصغير كأنه بيمسح رقم من على شاشة وهمية قدامه.
الحرب مخلصتش.. الحرب يادوب غيرت ميدان القتال، والعدو المرة دي.. نايم في حضني!
 
البرد سكن في جراحي، والسكينة اللي كانت في قلبي اتهزت هزة خلتني مش قادرة أقف على رجلي. بصيت ل يونس ابني، اللي لسه لحم دم، شفت في عينيه ذكاء مش بتاع طفل لسه مولود، شفت برود خلا عقلي يلف.. هل يونس التاني قدر ينسخ وعيه في ابني قبل ما المخزن ينفجر؟ ولا هي مجرد صدفة مرعبة؟
خالد دخل الأوضة، شافني واقفة قدام السرير زي التمثال، والموبايل لسه في إيدي بيوش بالرسالة الصوتية. نيرة؟ مالك؟ وشك قالب ليه كدة؟
خورت على الكرسي وقولتله بصوت مخنوق يونس يا خالد.. يونس باعتلي رسالة.. بيقول إنه مستني أخوه الصغير عشان يلعبوا!
خالد سحب الموبايل مني وسمع الرسالة، ملامحه اتخشببت، بس حاول يتماسك عشان مانهارش ده مجرد تهديد مسجل يا نيرة، نظام ذكاء اصطناعي هو اللي بعته تلقائي.. يونس مات في الانفجار، أنا شفت الجثث بنفسي.
بس أنا مكنتش مقتنعة، النظرة اللي ابني بصلي بيها مكنتش نظرة طفل بيتعرف على أمه، دي كانت نظرة واحد عارف كل حاجة.
عدت الشهور، ويونس بدأ يكبر بمعدل غير طبيعي، بدأ يتكلم وهو عنده 7 شهور، بس كلامه مكنش ماما وبابا.. كان بيقعد في ركن الأوضة، ويمسك المكعبات ويرصها بأشكال هندسية معقدة، ويوشوش لها بكلمات شبه الأكواد.
وفي يوم، صحيت نص الليل على صوت خربشة في المكتب الصغير بتاعي.. قمت بالراحة، وشفت يونس واقف على الكرسي، ماسك القلم، وبيرسم على الحيطة الدفتر الأسود! نفس الأسماء، نفس الأرقام، ونفس الخريطة اللي ياسين كان مخبيها.
وقفت
وراه وأنا بنهج يونس.. إنت بتعمل إيه؟
لف لي ببطء، وابتسم نفس الابتسامة الصفرا اللي كانت عند ياسين ماما.. إنتي ليه حرقتي النسخة الورقية؟ العالم ده محتاج حد ينظفه.. وياسين كان خايب، بس أنا هكون أحسن منه.
الرعب شل حركتي، بس في اللحظة دي، جرس الباب رن بحدة. فتحت ونا ناسية خوفي، لقيت غادة واقفة ووشها باهت، وماسكة في إيدها ملف جديد نيرة.. أنا عرفت الحقيقة.. يونس مكنش طفل، يونس كان تطبيق بشري، والنسخة اللي في بطنك كانت متبرمجة إنها تسحب البيانات من السحابة أول ما تتولد!
بصيت ورايا ليونس، لقيته واقف بكل ثبات، وحط صباعه على شفايفه وقال ببرود شششش.. يا ماما، اللعبة ممتعة قوي وهي سر.
خالد دخل بسرعة وهو شايل أجهزة تشويش، وقال بحزم إحنا لازم نخرج من هنا حالاً.. المعلم الكبير الجديد مش القاضي ولا الوزير.. المعلم الكبير هو السيستم اللي يونس زرعه في كل بيت في مصر، وابنك هو المفتاح الوحيد اللي يقدر يقفله.. أو يفتحه على الآخر!
شلت يونس وهو بيضحك ضحكة بريئة تقطع القلب، وركبت العربية مع خالد وغادة، وإحنا بنجري في طريق الصحرا.. بس المرة دي، مش بنهرب من حد، إحنا بنهرب من المستقبل اللي ابني شايله في دماغه.
وقفت العربية قدام البحر، وطلعت السلسلة الدهب اللي كان فيها الكود الأخير، ورميتها في أبعد نقطة في المية.. وبصيت ليونس وقولتله بقوة لو كنت فاكر إنك هتكمل اللي بدأه ياسين.. يبقى نسيت إن اللي ربتك هي نيرة، والمحاسبة اللي قفلت حسابات أبوك، هتقفل حساباتك إنت كمان لو فكرت تأذي حد.
يونس بص للبحر، وبعدين بص لي، ولأول مرة شفت في عينه دمخة طفل حقيقي، مسك إيدي وقال بهمس خلاص يا ماما.. أنا مسحت يونس التاني.. أنا دلوقتي ابنك وبس.
هل كان بيكذب عشان يحمي نفسه؟ ولا فعلاً قدر يغلب التكنولوجيا اللي صنعته؟
النهاية مكنتش كلمة تمت، النهاية كانت شمس جديدة بتطلع، وأنا ماشية على الشط، ماسكة إيد ابني، وعارفة إن الحرب الجاية مش هتبقى بالرصاص ولا بالدفاتر.. هتبقى بالحب اللي هيغلب أي سيستم في الدنيا.
قفلت صفحتي مع الماضي، ورميت المفتاح في الموج، ومشيت وأنا مبتسمة.. لأن السلم المرة دي، إحنا اللي بنيناه،
وهنطلعه سوا.. خطوة بخطوة.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط