حماتي وسر الاكل حكايات انجى الخطيب
مراتي مكنش عندها لبن عشان ترضع ابننا ، وأنا كنت بلومها ... لحد ما رجعت البيت بدري واكتشفت أمي كانت بتأكلها إيه....
افتكرت إن مراتي كانت ضعيفة ومقصرة مع ابننا... بس لما رجعت البيت بدري واكتشفت أمي بتأكلها إيه، فهمت إن الوحش كان عايش في بيتي....
أي نوع من الأمهات اللي متقدرش ترضع ابنها؟
الكلام ده طلع من بوقي الصبح بدري، والواد عمال يصرخ ويصوت صوات يقطع القلب، كنت حاسس إن الحيطان هتتشق من عياطه.
النهارده أنا حاسس بالخزي والعار وأنا بفتكر الكلام ده.
النهارده نفسي أدفع عمري كله وأرجع للحظة دي، وأبوس على رجل مراتي وأطلب منها السماح قبل ما الأذى يربى ويكبر.
بس الليلة دي أنا كنت هلكان. تعبان من الشغل، ومن الديون، ومن عياط الواد، ومش نايم غير تلات ساعات بس، صاحي بهالات سودا تحت عيني وبسوق عشان أروح المكتب وجسمي كله مهدود.
مراتي، آية، كانت ولدانة بقالها خمستاشر يوم بس.
خمستاشر يوم.
وكانت عاملة زي الخيال.
قبل الولادة كانت خدودها ملبلبة، وعينيها بتلمع، وضحكتها الناعمة اللي بتطلع كل ما تتكسف من حاجة. بس بعد ما رجعت من المستشفى، بدأت تدبل. خدودها سقطت ودخلت لجوه. كانت بتمشي بالراحة، وضهرها محني. وإيديها دايماً سقعانة تلج. ساعات ألاقيها قاعدة على طرف السرير، بتبص لولادنا وبتبعي بذنب وقهر مكنتش ببقى مرتاح وأنا شايفه.
مفيش لبن يا رامي، كانت بتقولها بصوت مكسور ومشرخ. بحاول، بس مفيش حاجة بتنزل.
مفهمتش.
أو مكنتش عايز أفهم.
ابني، مروان، كان بيمسك في صدرها ويمص بكل قوته. وبعدين يبعد، ووشه يحمر من الغل والعياط، ويعيط كأنه اترمى في الشارع. وآية تعيط هي كمان، بس من سكات. تغطي صدرها، وتعدل لبسها تاني، وتحاول من الناحية دي، وبعدين من
مفيش.
أو مفيش حاجة تذكر.
وبدل ما أخدها في حضني وأطبطب عليها، بدأت ألومها.
كلي كويس، كنت بقولها كده. ارتاحي. أي ست تقدر ترضع ابنها لو اهتمت بنفسها وبأكلها.
يا ريتني كنت فاهم.
أنا كنت قاسي أوي.
أمي كانت عايشة معانا، وجت قبل الولادة بأسبوع. كان اسمها شريفة، ودايماً ست شديدة وبتمشي كلمتها من الستات اللي تقعد تقول أنا ربيت تلاتة ومشتكتش، وكأن ده بيديها الحق تدوس على تعب أي حد تاني.
لما آية ولدت الواد، أمي صممت تقعد وتلازمنا.
قالت الأم الجديدة دي متفهمش حاجة في أي حاجة. أنا هخلي بالي منها. ركز أنت في شغلك يا ابني.
وصدقتها.
كل شهر كنت بديلها الفلوس ومصروف البيت. أكتر بكتير من اللي بنصرفه في العادي. خمستاشر ألف جنيه بالتمام والكمال. كنت بحولهم ليها أول كل شهر وأقولها
يا أمي، اشتري كل اللي آية محتاجاه. شوربة، فراخ، فاكهة، لبن أي حاجة. اتأكدي إنها بتأكل كويس عشان تشد حيلها وتقوم بالسلامة.
كانت تطبطب على كتفي.
متقلقش يا ابني. أنا شايلاها في عنيا ومقعداها زي الملكة. بعملها شوربة الفراخ والخضار والبليلة وكل حاجة يوم بيوم. أي عروسة تتمنى حمى زيي.
ابتسمت.
وصدقتها.
عشان كانت أمي.
وده كان أول موقف أبان فيه جبان ومغفل.
في البيت، مفيش حاجة اتحسنت.
مروان كان بيصرخ كل ليلة. وآية تحاول ترضعه طبيعي، وتفشل، وتعيط، وكنا ساعات بنجيب لبن صناعي لما ربنا يرزقنا ونقدر على تمنه بس أمي دايماً كانت بتقف في الزور وتعارض.
اللبن الصناعي ده غالي ومصاريف ع الفاضي، كانت بتقول كده. لو حاولت وضغطت على نفسها، اللبن هيجي. أيامنا مكنش فيه الكلام ده، والعيال طلعت زي الفل وبصحتها.
آية كانت بتوطي راسها وتسكت.
وبعد شوية بقيت أكرر كلام
اسمعي كلام أمي، قلتلها في ليلة من الليالي. هي أدرى وأفهم مننا.
آية بصتلي وعينيها مليانة دموع.
أنا بحاول يا رامي.
يبقي حاولي أكتر من كده، ردت عليها بجفاء.
الكلمة دي كسرتها.
وشفت ده بعيني.
شفتها بتكش وتصغر، وكأن فيه إيد مش متشايفة بتعصر في قلبها.
بس مروان فضّل يعيط تاني، وأنا حطيت المخدة على وشي، كنت غضبان وزهقان من الدنيا، ومن الدوشة، ومن مراتي، ومن كل حاجة ما عدا الشخص الوحيد اللي كان يستاهل الغضب ده فعلاً.
في يوم الصبح بدري، بعد أكتر من ساعة عياط متواصل وصريخ، صريخي أنا اللي طلع.
خلاص بقى يا آية! زعقت بعلو صوتي. أنتِ مابتتحسيس؟ شوفي الواد. الواد خس وبقى عامل زي الفتلة. باين عليه عيان. أنتِ أنهي نوع من الأمهات اللي مش عارفة حتى تأكل كويس عشان تجيب لبن للواد؟
كانت قاعدة على السرير ومروان بين إيدها، وهدومها مفتوحة ببهدلة، والدموع مغرقة رقبتها.
همست وهي بتقول أنا آسفة. أنا باكل والله... أنا بجد بحاول أكل.
أومال مفيش فايدة ليه والواد مش بيكبر؟
مردتش عليا.
وطت راسها وخلاص.
أخدت المخدة بتاعتي وطلعت نمت على الكنبة بره.
نمت.
على أساس إني عرفت أنام يعني.
عياط ابني كان بيخترق الباب وبيقطع في فروة راسي.
ومراتي بتعيط، بصوت واطي ومكتوم، بس واصلني.
تاني يوم نزلت الشغل من غير ما أبص في وشها أصلاً. أمي كانت في المطبخ بتعمل الشاي.
قالتلي آية دلوعة وحساسة زيادة عن اللزوم. متبوظهاش. الستات بعد الولادة بيحبوا يعيشوا دور الضحية عشان يلووا دراع الكل بالصعبانيات.
أنا كل اللي همني إن الواد يأكل، ردت عليها.
هيأكل ويبقى زي الفل. متوجعش دماغك. أنا هظبط الدنيا.
كلمة أنا هظبط الدنيا ريحتني وهدتني.
والنهارده الكلمة دي بتخليني عايز
يوم الخميس ده، النور قطع في المكتب في نص اليوم. المحول ضرب في المنطقة الصناعية ومشونا كلنا بدري على الساعة حداشر.
فكرت أتصل بالبيت الأول.
وبعدين قلت لأ.
عايز أرجع وأعملهالهم مفاجأة. عدت على الصيدلية واشتريت علبة كبيرة من اللبن الصناعي المستورد الغالي نوع مكلف كنت زمان هقول عليه ملوش لزمة ومنظرة. واشتريت كمان فيتامينات لآية وشوية فاكهة وتفاح.
سقت العربية وأنا راجع البيت وحاسس، لأول مرة من أيام، إني زوج صالح وبفهم.
يا لكسرة نفس البني آدم لما يفتكر نفسه بطل وجاي ينقذ الموقف وهو جاي متأخر والخراب حصل خلاص.
لما دخلت، الباب مكنش مقفول على الآخر.
البيت كان هسسسس، صامت تماماً.
مش الصمت الرايق بتاع عيل نايم ومرتاح.
لأ، صمت يقلق.
ثقيل ويكتم النفس.
من النوع اللي تحس إن وراه مصيبة أو فضيحة مستخبية.
حطيت الأكياس في الصالة ومشيت براحة ناحية المطبخ. قلت يمكن أمي نزلت السوق أو راحت تدردش مع الجيران. وافتكرت آية نايمة بترتاح.
بس شفتها.
مراتي كانت مستخبية ومزنوكة في كورنر في المطبخ، جمب التربيزة.
كانت بتأكل بسرعة جنونية.
بلهفة ووجع بطن.
زي الحرامي اللي بيسرق لقمة.
كانت ماسكة في إيدها طبق غويط ومعلقة قديمة مصدية. كل كام قطمة تبص ناحية الباب بفزع. ووشها كله مبلول مش من صهد المطبخ. ده من كتر العياط.
أنا اتسمرت في مكاني.
آية؟
تنططت من الخضة. والمعلقة وقعت من إيدها رنت في الأرض.
لما شافتني، وشها اصفّر وبقى زي الليمونة من الرعب.
رامي... أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟
بصيت على الطبق.
حاولت تداريه وتغطيه بإيديها الاتنين.
الحركة دي خلت النور ينور في دماغي فجأة.
بس مش بالطريقة الصح في الأول.
أنتِ بتأكلي إيه؟ سألتها.
مفيش
وريني الطبق ده.
لأ يا رامي، عشان خاطري بلاش...
شديت الطبق من إيدها