النشابة والكرامة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

وأحياناً بيكون بركان محتاج بس لمسة عشان ينفجر وينضف كل حاجة.
في اللحظة دي، خرجت روحية من أوضتها، ملامحها كانت أهدأ بكتير، قربت منهم وهي ماسكة طبق فاكهة صغير، حطته قدامهم وقالت بصوت واطي فيه مودة حقيقية كلوا يا ولاد.. الفاكهة دي محمود جابها الصبح وصيتها يختارها مسكرة عشان سمر بتحبها.
بصت سمر لحماتها، وشافت في عيونها محاولة صادقة للتكفير عن اللي فات. مكنتش روحية اتغيرت 180 درجة، لكنها بقت فاهمة إن فيه حدود، وإن الاحترام مبيتجزأش. ردت سمر بابتسامة تسلم إيدك يا ماما، تعالي اقعدي معانا، الجو في البلكونة النهاردة يرد الروح.
قعدوا التلاتة، محمود في النص بين مراته وأمه، في مشهد كان من شهر واحد بس مستحيل يحصل من غير خناق أو دموع. سمر بصت للصالة من باب البلكونة المفتوح، شافت الفيشة
ثابتة في مكانها، والنور منور، وكل حاجة تحت السيطرة بجد، مش سيطرة وهمية ورا باب مكتب مقفول، لكن سيطرة الحب اللي بيعرف امتى يشد الفيشة عشان ينقذ مركب بتغرق، وامتى يركبها عشان ينور حياة كاملة.
مرت سنة كاملة على تلك الواقعة التي غيرت مجرى حياتهم. في زاوية الصالة، لم تعد الفيشة مجرد مصدر للكهرباء، بل صارت رمزاً لليقظة. سمر لم تعد تلك الزوجة التي تبتلع وجعها في صمت، ومحمود لم يعد ذلك الزوج الذي يختبئ خلف شاشاته، أما روحية فقد تعلمت أن الأمومة حب وليست تملكاً.
في مساء يوم هادئ، كانت سمر تجلس في المطبخ، تعد عجين الفطائر التي يحبها محمود. أمسكت ب النشابة الجديدة، نظرت إليها للحظة، تذكرت الألم القديم، لكنها هذه المرة لم تشعر بالغل، بل شعرت بالقوة. بدأت تفرد العجين بسلاسة، وصوت ضحكات
محمود وأمه من الصالة يصل إليها بوضوح.
دخل محمود المطبخ، اقترب منها وهمس في أذنها ريحة الفطير قلبت البيت.. تسلم إيدك يا ست الكل.
التفتت إليه سمر بابتسامة صافية وقالت محمود، أنت عارف إن بكرة ذكرى اليوم اللي شديت فيه الفيشة؟
ساد صمت قصير، ثم قال محمود بنبرة ممتنة ده كان أهم يوم في حياتي يا سمر. اليوم اللي فوقت فيه وشفتك بجد. عارفة؟ أنا بعت السماعات القديمة اللي كانت عازلاني عنك، واشتريت مكانها الراديو الصغير اللي أمتك بتحب تسمعه في الصالة.. عشان نفضل كلنا في هوا واحد.
خرجت سمر للصالة وهي تحمل طبق الفطير الساخن، وضعت الطبق أمام حماتها التي كانت تسبح في هدوء. نظرت إليها روحية وقالت يا بنتي تعبتي نفسك، كان كفاية لقمة جبنة.
ردت سمر وهي تقبل رأسها مفيش تعب يا ماما، أنتِ الخير والبركة.

جلس الثلاثة حول المائدة، في مشهد سينمائي يجسد معنى البيت. لم يعد هناك أبواب مغلقة، ولا صرخات مكتومة. محمود وضع هاتفه بعيداً، وروحية بدأت تحكي حكايات من الماضي بضحكة رقيقة، وسمر كانت تراقبهم بعينين لامعتين بدموع الفرح.
وفي تلك اللحظة، نظرت سمر إلى الفيشة مرة أخيرة. كانت الأنوار مستقرة، والجو مفعماً بالدفء، فأدركت أن القوة ليست في الضرب، ولا في السيطرة، بل في الشجاعة التي تجعلنا نقطع التيار عن كل ما يؤذينا، لنعيد توصيله بكل ما يمنحنا النور والسكينة.
أغلق محمود ستائر البلكونة، وانطفأت أنوار الصالة تدريجياً، ليبقى نور المحبة هو الخيط الوحيد الواصل بين قلوبهم، بعدما تعلموا جميعاً أن الزبالة الحقيقية هي المشاعر المكتومة والظلم، وأن مكانها الوحيد هو خارج عتبة هذا البيت.
تمت.
حكايات
انجى الخطيب

تم نسخ الرابط