النشابة والكرامة حكايات انجى الخطيب
المحتويات
سمر شالتك في مرضك شيلة مفيش بنت بتشيلها لأمها، وأنتِ رديتي الجميل بضرب ونشابة؟ أنتِ عارفة يعني إيه مراتي تصرخ وأنا موجود ومسمعهاش؟ أنتِ عارفة إنك خلتيني أبان قدام نفسي ناقص؟
سمر كانت بتبص له وعيونها بتلمع بنظرة أول مرة تشوفها، نظرة الراجل اللي فاق من غيبوبة الاجتماعات والمؤتمرات ولقى إن مملكته الحقيقية كانت بتتهد. رفعت إيدها ولمست إيد محمود وقالت بصوت واهن خلاص يا محمود، حصل خير.
هنا روحية اتجننت أكتر، وصوتها علي خير إيه يا مقصوفة الرقبة؟ أنتِ لسه هتتمسكني؟ أهي دي بقى الحية اللي لفت على عقلك يا محمود، دي اللي خلتك ترفع صوتك على أمك! يا شماتة الجيران فيا، يا فضيحتي في العيلة، ابني بيطردني عشان كيس زبالة!
محمود قام وقف وطول قامته وبص لأمه نظرة أخيرة خلتها تسكت غصب عنها محدش هينطق بكلمة، والبيت ده مش هيطلع منه سر، وأنتِ يا أمي فوق راسي، بس في بيتك. بكرة الصبح شنطتك هتكون جاهزة، وهتروحي هناك معززة مكرمة، وكل أسبوع هجيلك أبوس إيدك ورجلك، بس هنا.. هنا سمر هي صاحبة البيت، واللي يمسها يمسني.
التفت لسمر وقال لها بصوت فيه حنان مفاجئ قومي يا سمر.. ادخلي ارتاحي، والكهرباء والاجتماع والصفقة وكل ده يغور، المهم إنك قفلتي الفيشة اللي كانت عازلاني عنك.
سمر قامت، ومشت ببطء وهي سانده على كتفه، وقبل ما تدخل أوضتها، لفت وبصت لروحية اللي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بقهره، بس المرة دي سمر مكنش في عينها شماتة، كان في عينها شفق على ست ضيعت حب كنتها وبنفسها وبإيدها.
محمود دخل المكتب، وسمر دخلت أوضتها، والبيت رجع له السكون تاني، بس كان سكون مختلف..
مرت ليلة كانت الأثقل في تاريخ البيت، صمت يسكن الزوايا، لا يقطعه إلا صوت دقات الساعة وتنهيدات روحية المكتومة وهي بتلم هدومها في الشنطة ببطء، وكأنها بتسحب روحها معاها. كانت بتتحرك في الصالة زي الخيال، بتبص لكل ركن بغل وحسرة، وعينها جت على مكان النشابة المكسورة اللي محمود رماها في الزبالة.. كانت القطعة الخشبية دي بالنسبة لها هي هيبتها اللي انكسرت مع أول لا نطقها ابنها.
في أوضة النوم، كان محمود قاعد على طرف السرير، دافن راسه بين إيديه، وسمر نايمة بضهرها، فاتحة عينها في الضلمة، الجرح اللي في راسها كان بيوجعها، بس الوجع اللي في قلبها بدأ يهدأ لأول مرة من شهور. حست بحركة محمود وهو بيقرب منها، همس بصوت شرخ فيه التعب سمر.. أنتِ لسه صاحية؟
سمر مردتش، بس نفسها كان مسموع. كمل محمود بأسف حقيقي أنا مكنتش متخيل إن الأمور وصلت للدرجة دي.. كنت فاكر إن وجود أمي معاكِ هيونسك، مكنتش أعرف إنها كانت بتكسر فيكِ وأنا عامل لنفسي عزل وصومعة جوه. أنا آسف يا سمر.. آسف إني مسمعتش صرختك إلا لما الدنيا اسودت في وشي.
لفت سمر وبصت له، وبضوء السهاري الخافت شافت دموع في عينه، قالت بهدوء الوجع مش في الخبطة يا محمود، الوجع إنك كنت موجود ومش موجود. الفيشة اللي شدتها دي مكنتش عشان الاجتماع يقطع، دي كانت استغاثة غريق بيحاول يشد اللي بيحبه معاه لبر الأمان
طلع الصبح والجو كان مشحون بريحة القهوة المرة. محمود شال شنطة أمه وخرجها قدام الباب. روحية كانت لابسة عبايتها السوداء وطرحتها، واقفة بصلابة مصطنعة، بصت لسمر بصه أخيرة مليانة وعيد، وقالت بمرارة بكرة يدور الزمن يا ست سمر، واللي عملتيه فيا هيترد لك، والابن اللي طاوع مراته على أمه، مسيره يرجع لي ندمان.
محمود مسك إيد أمه وباسها وقال بجمود هجيلك يوم الجمعة يا أمي، والبيت بيتك في أي وقت، بس ك ضيفة فوق الراس، مش حاكمة بأمرها.
قفل محمود الباب ورا أمه، والتفت لسمر اللي كانت واقفة في الصالة، البيت فجأة بقى واسع، وهادي بشكل يخوف ويريّح في نفس الوقت. محمود قرب من الفيشة اللي لسه في مكانها، بص لها وابتسم بوجع، وبعدين مد إيده وركبها تاني في المشترك.
سمر استغربت وقالت له بتركبها ليه؟ مش خايف تعزلك عني تاني؟
محمود بص لها وهو بيحضن وشها بإيديه الاتنين ركبتها عشان أقولك إن السيطرة دلوقتي فعلاً بقت في إيدك أنتِ.. أنا مش هلبس السماعات دي تاني طول ما أنتِ بره المكتب، والبيت ده مش هيتسد بابه علينا ب عزل تانى.. كيس الزبالة اللي كان السبب، خلانا نطلع الزبالة اللي كانت محبوسة في قلوبنا يا سمر.
ضحكت سمر بدموع، وفي اللحظة دي حست إن النشابة اللي انكسرت، كانت بتعلن ولادة حياة جديدة، حياة مفيهاش برنس ورا الباب، ولا جارية في الصالة، فيها اتنين، بيشدوا فيشة الوجع مع بعض، ويفتحوا نور السكن والمودة.
بعد أسبوع، البيت هدي تماماً، بس
دخل محمود المطبخ، كان قالع قميص الشغل وماسك في إيده كيس فاكهة، حطه على الرخامة وقرب منها، لفت سمر وسألته بهدوء كلمتها؟
محمود اتنهد وقعد على الكرسي كلمتها.. لسه قافلة السكة في وشي بعد ما قالت لي إن البيت وحش من غيري وإنك سحرتيلي عشان أقلب عليها. لسه مش قادرة تستوعب إن اللي حصل كان رد فعل، مش مؤامرة.
سمر سابت اللي في إيدها وبصت له بتركيز محمود، أنا مش عايزة أكون السبب في قطع صلة رحمك، أنا بس كان لازم أحمي نفسي. هي كانت فاكرة إن سكوتي ضعف، وإنك مضمون في جيبها لدرجة إنها تكسرني وأنت موجود. الوجع اللي عيشته الأسبوع اللي فات خلاني أفهم إن اللي ملوش ضهر ببيته، بيتداس عليه من القريب قبل الغريب.
محمود قام ووقف قدامها، مسك إيدها اللي كانت مبلولة من غسيل الخضار ونشفها بفوطة المطبخ ببطء وقال أنا اللي كنت سايب ضهري مكشوف يا سمر. كنت فاكر إن توفير الفلوس والشقة والعزلة اللي عملتها لنفسي في المكتب هي الراحة، ومخدتش بالي إن الراحة دي كانت على حساب حتة من روحي بتتداس بره. السماعات اللي كنت بلبسها دي كانت عازلاني عن الحقيقة مش بس عن الدوشة.
فجأة تليفون محمود رن، كان رقم أخته منال. محمود فتح السبيكر وهو بيبص لسمر. منال كان صوتها عالي ومنفعل إيه يا محمود؟ بقى هي دي الرجولة؟ تطرد أمك في السن
متابعة القراءة