النشابة والكرامة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

عندنا بتموت من القهرة وبتقول إن سمر هي اللي شجعتك تعمل كدة!
سمر كانت هتتكلم بس محمود أشار لها تسكت، ورد هو بمنتهى الحزم منال، أمك مطردتش، أمك راحت بيتها معززة مكرمة بعد ما مدت إيدها بالخشب على مراتي في بيتي. لو يرضيكي إن جوزك يقعد يتفرج وأنتِ بتنضربي بالنشابة وتتسب لك مية مة، يبقى عيبي عليا. أمي فوق راسي، بس اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه، وسمر خط أحمر.. قفلي على الموضوع ده عشان مش هسمع فيه كلمة تانية.
قفل محمود السكة، وساد صمت للحظات. سمر حست بإن جبل كان على صدرها وانزاح، القوة اللي محمود اتكلم بيها مكنتش قسوة على أمه، كانت حق بيرجع لصاحبه.
قربت سمر منه، سندت راسها على كتفه وهمست تعرف يا محمود.. الفيشة اللي شديتها دي، رجعتك ليا تاني. أنا كنت بدأت أنسى شكلك وأنت بتضحك بعيد عن شاشة الكمبيوتر.
محمود ابتسم وباس راسها، وتحديداً عند مكان الجرح، وقال لها طب يلا يا ست سمر، بما إني بقيت موجود في الواقع، الغدا إيه النهاردة؟ ولا ناوية تطلعي كيس الزبالة وتسيبيني من غير أكل؟
ضحكت سمر من قلبها، ضحكة صافية مفيهاش مرار، وقالت وهي بتفتح الحلة لا يا سيدي، النهاردة مفيش زبالة هتتنسي، ومفيش نشابة هتترفع.. النهاردة فيه حياة بجد.
في اللحظة دي، سمر بصت لمكان الفيشة في الصالة، شافت السلك واصل، والأنوار منورة، والمكتب بابه مفتوح على آخره، وكأن البيت كله بقى مساحة واحدة، مفيهاش أبواب مقفولة ولا سماعات عازلة، بس فيها حدود مرسومة بالاحترام، والحدود دي هي اللي خلت المركب تمشي من تاني.
مرت الساعات، وبالليل ومحمود نايم في هدوء لأول مرة، سمر كانت لسه صاحية، بتفكر في منال أخته
وكلامها، وعارفة إن الحكاية لسه منتهتوش عند كده. فجأة، سمعت صوت خبط رزين على الباب، خبطة فيها هيبة مش غريبة عليها.
قامت سمر فتحت الباب وهي لابسة إسدالها، واتفاجئت ب الحاج عبد الحميد عم محمود وكبير العيلة، واقف ومعاه منال، ووراهم روحية مكسورة العين ومنزلة طرحتها على وشها. سمر اتسمرت مكانها، ومحمود صحي على صوت الحركة وخرج يجري عمي! خير يا حاج؟ فيه حاجة حصلت؟
دخل الحاج عبد الحميد الصالة، وقعد على الكنبة الكبيرة، وبص لمحمود وسمر بنظرة حكيمة، وقال بصوته الرخيم اقعد يا محمود، اقعدي يا بنتي. البيوت اللي بتتبني بالدم واللحم، متهدهاش نشابة ولا تشد فيشتها كيس زبالة. أنا جيت عشان أحط النقط على الحروف.
روحية بدأت تعيط من غير صوت، ومنال كانت لسه بتبص لسمر بتحدي، بس الحاج عبد الحميد خبط عصايته في الأرض وقال اسمعي يا منال، واسمعي يا روحية. اللي حصل ده ميرضيش ربنا. سمر ست أصيلة، وصانتك يا روحية في مرضك، والضرب مكنش للأعداء عشان يكون للكنة اللي شايلة اسمنا. وأنت يا محمود، السماعات اللي كانت على ودانك دي كانت غشاوة على قلبك، الراجل في بيته غفير قبل ما يكون برنس.
بص لسمر وكمل حقك علينا يا بنتي. والجرح اللي في راسك ده، وصمة في جبيننا إحنا كرجالة العيلة قبل ما يكون في وشك. وبعدين التفت لروحية بحدة قومي يا روحية، حطي إيدك على راس كنة ابنك وطيبي خاطرها، وقولي لها حقك عليا يا بنتي، والبيت ده بيتها، وأنتِ فيه ضيفة تشرفي وتؤمري، لكن متمديش إيدك.
الجو كان مشحون، روحية وقفت بصعوبة، رجلها كانت فعلاً لسه بتوجعها، قربت من سمر ببطء، وعينها جت في عين سمر. سمر شافت في عين حماتها
انكسار حقيقي، مش تمثيل المرة دي، شافت خوف الست اللي كبرت وحست إنها هتقضي اللي فاضل من عمرها وحيدة بعيد عن حضن ابنها.
روحية مدت إيدها المرتعشة، لمست مكان الجرح في راس سمر، وقالت بصوت مبحوح حقك عليا يا سمر.. أنا كبرت وخرفت، والوحدة والوجع خلو عيني عميت عن حلاوتك. متزعليش مني يا بنتي، أنا ماليش غيركم.
سمر بصت لمحمود اللي كان واقف محبوس الأنفاس، وبعدين بصت للحاج عبد الحميد، وخدت نفس طويل، وراحت ميلة على إيد حماتها باستها وقالت مسامحة يا ماما.. إحنا أهل، والظفر مبيطلعش من اللحم. بس اللي بينا لازم يكون بالمعروف، عشان المركب تمشي.
منال وشها جاب ألوان وسكتت خالص، والحاج عبد الحميد ابتسم وقال عفا الله عما سلف. محمود، الفيشة دي متتشدش تاني، والسماعات دي تترمي في الدرج وقت ما تكون بره مكتبك. البيت ده محتاج ودن تسمع، مش بس عين تشوف.
بعد ما الكل مشي، وفضلت روحية في أوضتها بهدوء، وقف محمود وسمر في البلكونة بيشموا هوا الفجر. محمود لف دراعه حول سمر وهمس كنت خايف متسامحيش.
سمر بصت للسما وقالت شدة الفيشة مكنتش عشان أقطع الكهرباء يا محمود، كانت عشان أنور البصيرة. والنهاردة، النور بقى في كل حتة.. المهم نفضل محافظين على اللمبة من غير ما تتحرق تاني.
ضحك محمود وسند راسه على راسها، وفي اللحظة دي، كيس الزبالة اللي كان سبب الحريقة، بقى مجرد ذكرى مضحكة لليلة، الست فيها قررت إنها مش هتكون ضحية، والراجل قرر إنه أخيراً.. يسمع.
بعد مرور شهر على تلك الليلة، كان البيت قد استعاد نبضه، لكنه نبض جديد، هادئ ورزين. لم تعد روحية ترفع صوتها، بل أصبحت تتحرك بحذر وكأنها ضيفة في مملكة
أدركت أخيراً أن لها صاحبة قوية. أما محمود، فقد نقل مكتبه لزاوية تتيح له رؤية الصالة، وأصبح سلك السماعات الطويل ذكرى مركونة في الدرج، يستبدلها الآن بالاستماع لأدق تفاصيل يوم سمر.
في عصر يوم جمعة، كانت سمر تجلس في الشرفة، تمسك بهاتفها وتقرأ بعض الأخبار، حتى وقعت عينها على نشابة خشبية جديدة اشتراها محمود ليعوضها عما حدث. ابتسمت بمرارة وهي تتذكر كيف كانت تلك القطعة الخشبية أداة لكسرها، وكيف أصبحت الآن مجرد أداة في مطبخها، تحت سيطرتها وحدها.
دخل محمود الشرفة وهو يحمل كوبين من الشاي، جلس بجانبها ونظر للسماء الصافية وقال عارفة يا سمر، النهاردة قابلت واحد صاحبي في الشغل، كان بيحكي لي عن مشاكل بيته، وعن مراته اللي دايماً بتشتكي من أمه.. لأول مرة محسيتش إني غريب عن الكلام، ولأول مرة عرفت أنصحه بجد.
سمر بصت له باهتمام وقلت له إيه؟
رد محمود وهو بيرشف من الشاي قلت له إن البيت مش جدران وعفش، البيت ودن بتسمع وقلب بيحس. قلت له إن السماعات اللي بنلبسها عشان نهرب من دوشة العيال أو طلبات البيت، هي في الحقيقة بتبني سد عالي بيننا وبين اللي بنحبهم.. وقلت له أهم حاجة، إن كرامة مراته من كرامته، واللي يسمح بإهانة شريك حياته تحت سقف بيته، يبقى بيمضي قرار إعدام لرجولته قبل بيته.
سمر ابتسمت ولمست إيده بحنان كلام كبير يا محمود.. كأنك كنت محتاج النشابة دي تفوقك.
ضحك محمود بصوت عالي النشابة والفيشة! لولا الفيشة اللي شديتيها، كنت زماني لسه برنس في الخيال، وعايش في مؤتمر مبيخلصش، بينما الحقيقة كانت بتنضرب بره. سمر، أنا عايز أشكرك.. مش بس عشان سامحتي أمي، لكن عشان علمتيني إن
الصمت مش دايماً رضا،
تم نسخ الرابط