شبيهة بنتي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

اللاب توب لآخر مرة.. الشاشة كانت سودة، بس كان فيه سطر واحد منور في النص
تمت.. بس خلي بالك، الورق مبيفناش، والقصص بتستنى دايما اللي يفتحها.
شيلت اللاب توب وحطيته في الدرج وقفلته بالمفتاح، وحلفت إني عمري ما هكتب رعب تاني.. بس وأنا ماشية ورا جنا للمطبخ، لمحت في ركن الصالة توكة حمراء تانية خالص، مرمية على الأرض.. ومبلولة.
وقفت مكاني والبرد نهش في جسمي تاني.. عيني على جنا اللي بتجري ناحية المطبخ وهي بتضحك وبتقول إنها جعانة، وعيني التانية على التوكة المبلولة اللي مرمية في الركن. إزاي؟ أنا لسه شايفة التوكة في شعر بنتي وهي داخلة!
نزلت ببطء على ركبي ومسكت التوكة المبلولة.. كانت ريحتها طينة وبحر. وفي اللحظة دي، سمعت صوت جنا من المطبخ بينادي ماما.. تعالي شوفي، السكينة دي وقعت ليه؟
جريت على المطبخ، لقيت جنا واقفة بعيد عن الرخامة، والسكينة الكبيرة اللي بقطع بيها اللحمة مرشوقة في الأرض الخشب، وبالظبط فوق خيال بنتي! الخيال مكنش بيتحرك مع حركتها، كان ثابت في الأرض كأنه كيان منفصل.
بصيت لجنا، لقيت وشها بدأ يبهت تاني، وعينيها السودة وسعت أوي وهي بتقول بهمس ماما.. هو إحنا ليه دفنا العروسة؟
قلت لها بصوت مخنوق عشان كانت
مكسورة يا جنا.. إنتي لسه قايلة كدة!
ردت بابتسامة سارحة لأ يا ماما.. إحنا دفناها وهي صاحية.. كانت بتصرخ تحت التراب وانتي كنتي بتضحكي وتكتبي.
رجعت بضهري لورا وأنا مرعوبة، وفجأة المطبخ كله بدأ يتمسح.. الحيطان بتتحول لورق أبيض، والأرض بتدوب تحت رجلي. لقيت نفسي واقفة في فراغ أبيض ملهوش نهاية، وقدامي تربيزة واحدة عليها اللاب توب بتاعي، ومكتوب عليه بالأسود العريض
الفصل الأخير المؤلفة التي كتبت نفسها حتى الموت
لقيت إيدي بتمسك القلم لوحدها، وبدأت أكتب على الورق الأبيض اللي حواليا في كل حتة إنجي عرفت الحقيقة.. مفيش بنتي، ومفيش مدرسة، ومفيش بيت.. فيه بس حبر وورق، وإنجي مجرد بطلة في رواية تانية خالص بيكتبها حد ميعرفش الرحمة.
وفجأة، سمعت صوت قلم جاف ضخم بيتحرك فوق راسي، صوت تزييق الحبر وهو بيمسح السطر اللي أنا كتبته. وبصوت جهوري جاي من فوق، من السماء اللي بقت عبارة عن صفحة كراسة مسطرة، سمعت صوت طفلة بتضحك وبتقول
حلوة أوي يا ماما القصة دي.. بس بطلتها إنجي نهايتها وحشة أوي.. ممكن أغيرها؟
بصيت لفوق، شوفت عين عملاقة بتبص عليا من ورا نظارة، ولقيت إيد طفلة ضخمة ماسكة أستيكة وبدأت تمسح رجلي، وبعدين جسمي، وأنا بصرخ وبحاول
أتمسك بالورق.
آخر حاجة سمعتها قبل ما أتحول لنقطة حبر صغيرة بتختفي في الفراغ، كان صوت جنا الحقيقية وهي بتقفل الكراسة وبتقول
باي باي يا ماما.. هكتبلك قصة تانية بكرة، بس هتكوني فيها بنتي عشان أسمع كلامك.
اتقفلت الكراسة، وساد الضلمة التامة.. ومبقاش فيه غير صوت دقات ساعة الحائط في أوضة بنتي، وهي قاعدة على مكتبها، وماسكة قلم، وبتكتب في أول صفحة من كراستها الجديدة حكايات وروايات.. بقلم إنجي الخطيب.
جنا قفلت الكراسة بابتسامة هادية، وحطت القلم على المكتب وهي بتنفخ في الحبر عشان ينشف. في اللحظة دي، ملامح الأوضة بدأت تتغير؛ الحيطان اللي كانت مرسومة في الكراسة بدأت تتجسد، والضلمة اللي كانت محبوسة جوه السطور بدأت تفرش في المكان.
قامت جنا من على المكتب، مشيت بخطوات واثقة لغرفة النوم، وفتحت الدولاب. هناك، وفي ركن ضلمة، كانت إنجي قاعدة على الأرض، بس حجمها مكنش أكبر من حجم عروسة صغيرة، عينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة، ولسانها عاجز عن النطق كأن الحبر جف في عروقها.
جنا وطت ومسكتها من شعرها برفق مرعب، وقالت لها بصوت طفولي نقي عارفة يا ماما.. الكتابة دي متعبة أوي، أنا مكنتش فاكرة إنك بتتعبي كدة وإنتي بتألفيني.. بس دلوقتي
الدور عليكي، إنتي اللي هتفضلي هنا، جوه حكاياتي، وأنا اللي هخرج أعيش حياتك، هروح المدرسة، وهقابل صحابك، وهقول للناس إن إنجي الخطيب قررت تبطل كتابة عشان تتفرغ لتربية بنتها الوحيدة.
إنجي حاولت تصرخ، بس مطلعش منها غير صوت خربشة ورق. جنا حطتها جوه صندوق صغير، وقفلت عليها القفل، ورمت المفتاح من الشباك.
وقفت جنا قدام المراية الكبيرة، ملامحها بدأت تكبر، وجسمها بدأ يتفرد، لحد ما بقت نسخة طبق الأصل من إنجي. لبست نظارتها، وعدلت هدومها، وطلعت للصالة.
الموبايل رن.. مكالمة من دار النشر.
فتحت الخط وردت بنبرة واثقة وهادية أيوة يا فندم.. الرواية الجديدة خلصت خلاص.. النهاية؟ لا النهاية مختلفة تماماً المرة دي.. البطلة قررت إنها متسلمش نفسها للورق، وفضلت عايشة وسطنا.. أيوة، تقدروا تستلموا النسخة النهاردة.
جنا قفلت الموبايل، وبصت للكراسة اللي على المكتب. الهوا طير الصفحة الأخيرة، فظهر سطر واحد بس مكتوب بخط إيد إنجي القديم، كأنه استغاثة أخيرة من تحت أنقاض الحكايات
احذروا مما تكتبون.. فالشخصيات أحياناً تمل من السجون الورقية.
جنا ضحكت، وقطعت الصفحة دي حتت صغيرة، ورمتها في الهوا وهي بتقول
تمت.. بجد المرة دي.
تمت
بقلم انجي
الخطيب
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط