شبيهة بنتي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

وبكل قوتي خبطت عليه وصرخت جنا! افتحي يا جنا! إنتي بتعملي إيه جوه؟
الضحك وقف فجأة. وساد سكون مميت. وبعدين سمعت صوت مية بتتدلق بقوة، وصوت بنتي من ورا الباب بتقول بهدوء ماما.. أنا مش عارفة أفتح الباب، الأكرة بتلف في إيدي والباب مش عايز يتفتح.
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة ورايا. لفيت بسرعة، لقيت المقص اللي كان طاير وقع ورشق في خشب مكتب الكتابة بتاعي، بالظبط فوق الورقة اللي كان مكتوب فيها النهاية. اللاب توب شاشته قلبت لون أحمر دموي، والكلام بدأ يظهر بحروف كبيرة
اختاري يا إنجي.. تفتحي لبنتك اللي في الحمام.. ولا تبصي وراكي وتشوفي مين اللي لسه داخل من باب الشقة بالمفتاح؟
سمعت صوت مفاتيح بتتحرك في كالون الباب البراني. قلبي كان هيوقف من الرعب. أنا لسه قافلة الباب بكل الترباسات! إزاي حد بيفتح بالمفتاح؟
بصيت للباب، وشوفت المفتاح بيلف ببطء.. والباب بيتفتح فعلاً رغم كل الأقفال.
دخلت بنتي.. للمرة التالتة! بس المرة دي كانت لابسة لبس المدرسة، متبهدل، ووشها كله تراب وبتعيط بجد وحرقة وهي بتقول يا ماما.. المدرسة ولعت، والناس كلها كانت بتجري، وماما صاحبتي هي اللي جابتني لحد هنا.. إنتي قافلة الباب ليه؟
بقيت واقفة في نص الصالة، مشلولة تماماً.
بنتي بتنادي من الحمام ماما افتحي لي أنا خايفة!
وبنتي واقفة قدام باب الشقة بتبكي ماما حضنيني أنا شوفت حاجات وحشة أوي!
بصيت على اللاب توب، السطر الأخير اتغير ل
واحدة منهم هي بنتك.. وواحدة هي القصة.. والتالتة هي اللي مستنياكي تخلصي كتابة عشان تاخد مكانك في الحقيقة. لو اخترتي غلط.. الحكاية هتقفل عليكي إنتي للأبد.
مسكت المقص اللي كان راشق في المكتب، إيدي كانت بتنزف من قوته، ووقفت في النص..
عيني على باب الحمام، وعيني على اللي واقفة عند باب الشقة. وفجأة، النور قطع تماماً، وسمعت صوت بنتي الاتنين في وقت واحد، وبنفس النبرة، بيهمسوا في ودني من اليمين ومن الشمال
هتختاري مين فينا يا ماما؟
الظلام كان تقيل لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بيهم. الأنفاس كانت قريبة من وداني، نفس دافي وريحته فراولة، ونفس تاني بارد زي التلج وريحته صدا. الاتنين مسكوا إيدي في وقت واحد، لمسة حقيقية ولمسة خيالية، والاتنين ضغطوا على صوابعي بنفس القوة.
ماما.. أنا بنتك الحقيقية، متصدقيش التانية! الصوت طلع من اليمين والشمال في نفس اللحظة، كأنه صدى صوت في مغارة.
في اللحظة دي، افتكرت حاجة ميعرفهاش غيري أنا وبنتي.. سر صغير دفناه سوا في حديقة المدرسة الأسبوع اللي فات. مديت إيدي في الضلمة ومسكت المقص بقوة، وقولت بصوت عالي وهادي اللي فيكم بنتي بجد.. هتعرف أنا دفنت إيه تحت الشجرة الكبيرة في المدرسة يوم الخميس.
السكون رجع تاني، بس المرة دي كان معاه صوت خربشة أظافر على الأرض. اللي على الشمال سكتت خالص، أما اللي على اليمين فشهقت وقالت وهي بتعيط العروسة المكسورة يا ماما.. وقولنا إنها هتفضل هناك عشان تحرس أحلامنا.
قلبي دق بلهفة، كنت لسه هسحب إيدي من الباردة وأحضن الدافية، بس فجأة سمعت صوت ضحكة هستيرية جاية من اللابتوب اللي لسه منور باللون الأحمر في وسط الضلمة. الكلام اللي ظهر كان بيلمع كأنه نار غلطة يا إنجي.. العروسة المكسورة دي كانت الفصل التاني من روايتك اللي لسه مخلصتش.. بنتك الحقيقية متعرفش حاجة عن العروسة!
اتنفضت مكاني، واللي كانت ماسكة إيدي من اليمين الدافية ضغطت على إيدي لدرجة إن عضمي كان هيتكسر، ووشها بدأ ينور بنور باهت
وشيطاني، وقالت بصوت مخرخق شكراً يا ماما.. إنك فكرتيني بالسر اللي إنتي كتبتيه.. دلوقتي أقدر أكون بنتك بجد.
في اللحظة دي، النور جه فجأة وبقوة عمت عيني. لما فتحت عيني، لقيت الصالة فاضية تماماً. مفيش حد عند باب الحمام، ومفيش حد عند باب الشقة. بس لقيت بنتي جنا قاعدة على الكرسي قدام اللابتوب، وضهرها ليا.
قربت منها ببطء، وجسمي كله بيترعش جنا؟
لفت بالكرسي ببطء، كانت ماسكة المقص في إيدها، وبتقص في ورقة الرواية قطع صغيرة وهي بتبتسم ابتسامة هادية ومرعبة، وقالت لي متقلقيش يا ماما.. أنا قفلت القصة خلاص.. بس المرة دي النهاية مش مفتوحة.. النهاية إن إنجي هي اللي بقت بطلة الورق.. وأنا اللي هكمل حياتك مكباك.
بصيت لإيدي، لقيت جلدي بدأ يتحول للون الأبيض الباهت، وبدأت أختفي ببطء كأن حد بيمسحني ب أستيكة. بصيت على شاشة اللابتوب لآخر مرة، لقيت صورتي أنا محبوسة جوه سطر مكتوب فيه وهنا.. انتهت حكاية إنجي الخاطب، وبدأت حكاية اللي خرجت من بين سطورها.
آخر حاجة شوفتها قبل ما أختفي تماماً، كانت جنا وهي بتقوم، بتعدل هدومها، وبتبص للمراية وبتقول بصوتي أنا بالظبط يلا يا حبيبتي.. عشان نلحق نشتري الآيس كريم.
بدأت أطرافي تتبخر في الهوا زي الدخان، وصوتي اللي كنت بحاول أصرخ بيه بقا بيطلع في شكل حروف بتترص على الشاشة قدام عيني. كنت شايفة جنا وهي بتتحرك في الصالة بمنتهى الثقة، دخلت المطبخ، سمعت صوت كب المية، وصوت المعالق وهي بتتحرك.. كانت بتجهز لنفسها الغدا ببرود أعصاب غريب.
فجأة، الموبايل اللي كان ميت على الأرض نور ونطق، بس مش بصوت رنة، نطق بصوت ابنتي الحقيقية وهي بتهمس من جوه السوفت وير بتاع الموبايل ماما.. متسلميش.. إنتي اللي خلقتيها، وإنتي
اللي تقدري تمسحيها!
استجمعت كل قوتي اللي باقية من كياني اللي بيختفي، وزحفت ناحية المكتب. كانت النسخة اللي مني لسه واقفة قدام المراية بتظبط شعرها وبترسم ملامح وشي على وشها بدقة مرعبة. مديت إيدي اللي بقت شبه شفافة ولمست لوحة المفاتيح.
بدأت أكتب بكل طاقتي، أصابعي كانت بتدخل جوه الزراير كأنها روح وفجأة.. إنجي اكتشفت إن القلم لسه في إيدها، وإن البطلة اللي افتكرت إنها انتصرت نسيت إن المؤلف هو اللي بيحط النقطة الأخيرة.
البنت اللي قدام المراية اتنفضت، ووقعت منها الفرشة اللي كانت بتسرح بيها. بدأت تصرخ وصوتها يقطع انتي بتعملي إيه؟ بطلي كتابة! القصة خلصت!
كملت كتابة وأنا بدمع حروف سودا البطلة المزيفة بدأت تسيح زي الحبر الملقي في مية، وملامحها بدأت تختفي وترجع لورق أبيض فاضي، وكل سنتيمتر بيتمسح منها، كان بيرجع لإنجي الحقيقية في مكانه.
لقيتها بدأت تنهار قدامي، جلدها بيتقشر وبيتحول لقصاقيص ورق بتطير في الجو، وهي بتمد إيدها تحاول تخنقني بس إيدها كانت بتدوب قبل ما تلمسني. الصرخة بتاعتها كانت بتتحول لخربشة قلم جاف على ورق ناشف، لحد ما اختفت تماماً في دوامة من الورق اللي غطى الصالة كلها.
فجأة، النور رجع طبيعي، وصوت المطبخ سكت، ورجعت أنا كاملة، بدمي ولحمي، واقفة وسط كومة ورق مغطي الأرض. وفي وسط الهدوء ده، سمعت خبط رقيق جداً على الباب.. خبطة طفلة خايفة.
فتحت الباب ببطء، لقيت جنا الحقيقية، بشنطتها وتوكتها الحمراء اللي في شعرها، وعينيها مليانة دموع ماما.. أنا جيت.. المدرسة كان فيها تمرين حريق وخرجنا بدري، وإنتي مكنتيش بتردي على الموبايل.
خدتها في حضني وعصرتها من كتر اللهفة، كنت بتأكد إنها حقيقية، إنها دافية، إنها بنتي. دخلتها
وقفلت الباب ورايا، وبصيت على
تم نسخ الرابط