انقاذ حفيدي بقلم انجي الخطيب
رقم مجهول.. ده كان صوت محمود ابني، بس صوته كان طالع من جهاز تنفس صناعي، وبيهمس بصعوبة أمي.. متصدقيش كريمة.. كريمة هي الأستاذ.. هي اللي عملت فيا وفي ابني كل ده عشان تنتقم من أبويا.. اهربي يا أمي.. اهربي بالواد والسلسلة!
بصيت لكريمة بذهول، لقيتها بتضحك ضحكة باردة، ولفت وشها ليا وهي سايقة بإيد واحدة، والإيد التانية كانت ماسكة جهاز تحكم صغير محمود طول عمره خايب يا مرفت.. كان لازم يعرف إن اللي يلعب مع الكبار بيموت صغير.. دلوقتي يا حبيبتي، هاتي السلسلة بالذوق، بدل ما أخلي ياسين يخلص الحكاية بطريقته!
ياسين بص لي، وعينيه اللي كانت مطفية، فجأة نور فيها ضوء أحمر خافت، وقال بجمود أنا آسف يا تيتة.. بس خالتو كريمة هي اللي بتتحكم في النبض اللي جوايا دلوقتي.. ارمي السلسلة من الشباك وإلا العربية هتنفجر بنا كلنا!
وقفت قدام أصعب قرار في حياتي.. هل أصدق ابني اللي ضيعنا؟ ولا أختي اللي رجعت من الموت؟ ولا أحمي حفيدي اللي مابقاش مجرد طفل؟ وفي لحظة، العربية اللي ورايا خبطتنا خبطة طيرت السلسلة من رقبتي على تابلوه العربية.. والسر اللي اندفن عشرين سنة بقى قدام الكل!
الثواني كانت بتعدي كأنها سنين، والسلسلة بتلمع على التابلوه قدام عيني.. كريمة مدت إيدها بخطفة عشان تاخدها، بس في اللحظة دي ياسين صرخ صرخة وجع هزت العربية كلها، ونور عينه الأحمر زاد لدرجة إنه ملى الكابينة، وفجأة العربية السودة اللي كانت بتطاردنا ورا فُرملت بعنف كأن فيه قوة خفية وقفتها.
كريمة برقت بعينيها وبصت لياسين برعب في إيه؟ الشريحة عملت إيه يا ياسين؟
ياسين رد بصوت مرعب، صوت مكنش صوته، كان صوت جوزي المرحوم إبراهيم السر مش في السلسلة يا كريمة.. السر في اللي شال السلسلة عشرين سنة!
بصيت لياسين بذهول، لقيته بيمسك
ياسين بص لكريمة وقال ببرود إنتي اللي ضيعتيه بجشعك.. الشفرة متسجلة في جينات العيلة دي، وما بتفتحش غير ب لمسة حب مش بتهديد وقتل.. ياسين شاف حقيقة كل واحد فيكم، وشاف إن تيتة مرفت هي الوحيدة اللي قلبها كان عليه بجد.
وفجأة، العربية السودة اللي ورا اتفتحت، وخرج منها رجالة ببدل رسمية، بس مكنوش عصابة.. دول كانوا من جهة سيادية، والظابط اللي كان معاهم قرب من العربية وضرب تعظيم سلام ليا أنا!
الظابط بص لكريمة بجمود وقال دكتورة كريمة، أو بالأصح الأستاذ.. كنتي فاكرة إننا مش عارفين إنك زيفتی وفاتك؟ إحنا كنا سايبينك توصلينا لرؤوس العصابة الدولية، ومرفت هانم وابنها ومكالماتهم كانت تحت مراقبتنا من أول لحظة.
كريمة انهارات تماماً وبدأت تضحك بهستيريا وهي بتقول محمود ابني مكنش خاين.. محمود كان شغال معاكم! هو اللي لبس نهى وسيد المصيبة عشان يحمي أمه!
بصيت للظابط وأنا مش فاهمة حاجة، لقيت باب العربية السودة بيتفتح وخرج منه محمود، وشه متضمد بس عينيه بتلمع بالدموع، جري عليا ورمى نفسه في حضني سامحيني يا أمي.. كان لازم أعمل نفسي نذل وأمضي على الورق عشان يثقوا فيا وأوصل لقلب المنظمة.. كان لازم أخبي عليكي إن كريمة عايشة وهي اللي بتدير كل ده من تحت الأرض.
ياسين نزل من العربية ومشي ناحية محمود، وبص له بعينيه اللي رجعت طبيعية وهادية وقال بابا.. خالتو كريمة بتقولك إنها خلاص سامحتك، بس لازم تدفع تمن السنين اللي عشتها في الضلمة.
الظابط خد كريمة ونهى وسيد اللي كانوا متكلبشين في العربيات التانية، وبص لي بتقدير يا حاجة مرفت، لولا شجاعتك
وقفت وأنا بضم محمود وياسين لحضني، بصيت للسما ولقيت الفجر بيشقشق بعد ليلة كانت أطول من العمر كله.. الحكاية خلصت، والشر اللي بدأ بوجع حفيدي، انتهى بنصر رجع لي ابني وكشف وشوش الشياطين اللي كانوا مستخبيين في توب القرايب.
واحنا ماشيين، ياسين شد هدومي وقال بهمس تيتة.. السلسلة مباقتش رماد.. بصي في جيبك.
مديت إيدي في جيبي، لقيت السلسلة زي ما هي، بس الصورة اللي جواها اتغيرت.. مكنتش صورة جوزي بس، كانت صورتي أنا وهو وإحنا شايلين محمود وهو لسه مولود، ومكتوب وراها بخط إيده الحقيقة دايماً بتظهر في عيون اللي بيحبونا.
أخدت السلسلة في إيدي وضميتها لقلبي وأنا مش مصدقة إن الكابوس ده انتهى، بس ياسين لسه باصص لي بنظرة غريبة، نظرة فيها سر أكبر من كل اللي فات. محمود كان ساندني وهو لسه بينهج، والظباط بدأوا يسحبوا العربيات ويمسحوا المكان كأن مفيش حاجة حصلت، وفجأة، ياسين وقف مكانه ونطق كلمة واحدة خلت شعري يقف تيتة.. السلسلة لسه بتنادي صاحبها.
بصيت له بذهول ما صاحبها مات يا ياسين، إبراهيم مات!
ياسين هز راسه ببطء وهو بيشاور على فيلا قديمة مهجورة في آخر الطريق الضلمة وقال النبض اللي في السلسلة جاي من هناك.. وجوزك يا تيتة ممتش بجد، هو كمان كان أمانة محبوسة عشان يفتحوا بيها الصندوق الأخير!
محمود اتنفض وبص لي برعب، والظابط اللي كان ماشي وقف مكانه وبص لنا بذهول، وكريمة اللي كانت في البوكس صرخت بضحكة هستيرية قلتلك يا مرفت! السر أكبر مننا كلنا! إبراهيم هو اللي صمم السيستم، ومينفعش يموت طول ما السيستم شغال.. هو محبوس في المعمل الصفر تحت الفيلا دي من عشرين سنة!
محمود جري زي المجنون ناحية
أول ما السلسلة قربت من الكبسولة، الجهاز أصدر صوت تكة قوية، والإزاز بدأ يترفع.. الراجل فتح عينيه ببطء، وبص لي وهو بيحاول ينطق اسمي م.. مرفت؟
وقعت على ركبي قدامه وأنا بصرخ بدموعي، ومحمود حضنه وهو بيعيط، وياسين وقف جنب الكبسولة وحط إيده على الشاشة الرئيسية، وفجأة كل الأجهزة في الفيلا طفت، والظلام ساد المكان، وصوت آلي طلع من السماعات بيقول تم تدمير النظام نهائياً.. تم تحرير المفتاح الحي.
الظابط بص لنا بذهول وقال إنتي عارفة يا حاجة مرفت إن اللي حصل ده معناه إن أكبر شبكة تجسس في الشرق الأوسط انتهت النهاردة؟
بصيت لإبراهيم اللي رجع لحضني بعد عشرين سنة، ولياسين اللي كان السبب في رجوعنا لبعض، ولمحمود اللي طلع بطل في السر.
واحنا خارجين من الفيلا والشمس طالعة بتنور الدنيا، ياسين شد إيدي وقال بهمس تيتة.. السلسلة خلاص مباقتش بتنادي.. بس عارفة مين اللي كان بيكلمك في التليفون بصوت خالتو كريمة؟
بصيت له بخوف مين يا ياسين؟
ياسين ابتسم وشاور على نفسه وقال أنا يا تيتة.. كنت بستخدم جهاز الصوت اللي نهى كانت مخبياه، عشان أسحبك للشقة وتنقذيني وتكشفي الحقيقة للكل.. أنا اللي
كنت بدير اللعبة من جوه الأوضة الضلمة عشان أحمي عيلتي!
بصيت لحفيدي اللي عنده تلات سنين بذهول، وفهمت إن ياسين مكنش مجرد طفل كفيف، ده كان المعجزة اللي ربنا بعتها عشان يلم شمل عيلة اتفرقت بالدم والنار، وعشان يثبت إن نور القلب أقوى
تمت.
بقلم انجي الخطيب