انقاذ حفيدي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

دخلت الشقة والدم جمد في عروقي من المنظر اللي عيني شافته، حفيدي ياسين اللي عنده تلات سنين ومحروم من نعمة البصر كان بيترعش وجسمه ساقع من الخوف، جسمه الصغير اللي عبارة عن جلد على عضم، وأول ما سمع صوت الباب صرخ بوجع يقطع القلب يا تيتة! إلحقيني.. بابا وماما سابوني لوحدي ومشيوا.
المنظر خلى عقلي يقف لثواني مش قادر يستوعب البشاعة دي، الأوضة كانت ضلمة كحل رغم إننا كنا في عز الظهر، والستاير الثقيلة كاتمة النفس، وريحة المكان تقرف، ريحة إهمال ومرض وعفن، وفي الركن كان الغلبان اعد في الارض، وهدومه دبلانة عليه ووشه مسحوب وذبلان بطريقة توجع الروح.
لما حس بيا لف وشه ناحية الصوت وقال تيتة؟ ركبي سابت وما بقتش قادرة أشيل طولي، وهمست وصوتي مخنوق ياسين.. يا حبيبي، الواد انفجر في العياط وهو بيترجاني إلحقيني يا تيتة
أنا اسمي الحاجة مرفت، اتنين وستين سنة، ممرضة معاش، وطول عمري فاكرة إن الفراق هو أصعب وجع ممكن الواحد يعيشه، بس اللي شفته النهاردة خلاني أعرف إني كنت غلطانة، ياسين ده ابن ابني محمود والوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا، امة ماتت وهي بتولدة اتولد كفيف بصر ، بس كان ذكي وشقي وبيملى البيت ضحك، كان زمان بيمسك صباعي ويضحك من قلبه لما أسمي عليه وأرقيه بالمعوذتين.
لحد ما محمود اتجوز نهى، في الأول قلت هعتبرها بنتي، بس من ساعة ما ياسين كمل سنتين والزيارات بدأت تقل، وكل ما أقول عايزة أشوفه تطلعلي ب١٠٠ حجة، مرة نايم، ومرة عنده جلسة علاج، ومرة تعبان ومش حمل حركة، وابني محمود بدأ يتهرب من مكالماتي، وكل ما أقولهم هاتوه يقعد معايا يومين نهى تقول الولد بيتعلق بيكي وبيتعب

لما بيرجع.
تلات شهور كاملة ماشفتوش فيها، لحد ما جاتلي مكالمة من جارة ليهم فاعلة خير، قالتلي بصوت واطي يا حاجة مرفت، لو ليكي غلاوة عند الواد ده تعالي النهاردة ومن غير ما تقوليلهم، جيت وقلبي بياكلني، لقيت باب الشقة موارب والبيت هس هس، وطلعت فوق لقيت الفاجعة دي.
جريت عليه وإيدي بتترعش وأنا بفك الرباط من على إيده، الواد وقع في حضني كأنه ريشة، سألته بمرارة فين أبوك وأمك يا حبيبي؟ خبا وشه في صدري وهو بيهمس مشوا.. نهى قالتلي العيال الوحشة تسكت وما تطلعش صوت، قال نهى ماقالش ماما، وفي اللحظة دي النار قادت في قلبي، لفيته ببطانية وشلته وطلعت تليفوني عشان أطلب النجدة والمحامي بتاعي، بس وقفت مكاني والرعب دب في قلبي من جديد.
لقيت رسالة مبعوتة لي على الواتساب من رقم ابني محمود قبل دقيقتين بس، مكتوب فيها سامحينا يا أمي، إحنا بعنا الشقة بكل اللي فيها وسافرنا، واللي هيفتح الباب هيلاقي مفاجأة ومحدش هيقدر يوصل لنا.
لسه بقرأ الكلمة، سمعت صوت تكة غريبة جاية من الدولاب اللي ورايا في الصالة، وفجأة لمحت نور أحمر صغير بيطفي وينور، وياسين شد هدومي وهو بيترعش ويقول بصوت مرعوب
ياسين شد هدومي وهو بيترعش ويقول بصوت مرعوب يا تيتة.. في حد ورا الباب.. الراجل اللي كان بييجي لنهى هو اللي قفل عليا وقالي لو فتحت بؤك مش هتشوف تيتة تاني أبداً!
الدم هرب من عروقي وبصيت ناحية باب الشقة، لقيت الترباس الخارجي اتقفل فعلًا، وفي اللحظة دي موبايلي رن في إيدي.. كان رقم ابني محمود.. فتحت الخط وأنا حاسة إن قلبي هيقف، لقيت صوته طالع مخنوق وذليل وهو بيبكي إلحقي يا أمي.. نهى ورطتني في ديون
ومضتني على وصولات أمانة لكل اللي حيلتي، وهددتني لو بلغت الشرطة هتختفي بالواد ومش هشوفه تاني.. أنا كنت خايف عليها بس طلعت بتخطط لكل ده من ورا ظهري!
بصيت لياسين اللي كان بيترعش في حضني، وفهمت إن محمود وقع في فخ نهى اللي استغلت طيبته وضعفه، والرسالة اللي جت لي كانت نهى هي اللي بعتاها من تليفونه عشان توهم الكل إنهم سافروا وتخلع هي بالفلوس وتسيبنا محبوسين هنا وسط الورق والمصايب اللي دبستنا فيها.
فجأة، سمعت صوت سيد جارهم اللي نهى كانت دايماً بتقول إنه بيساعدها في الشغل، واقف ورا باب الشقة من بره وبيقول بصوت واطي وسمج نورتي يا حاجة مرفت.. نهى هانم قالت لي إنك هتوصلي في المعاد عشان تستلمي الواد.. بس فيه مشكلة صغيرة، الشقة دي وعفشها بقوا ملكي بوضع اليد مقابل الفلوس اللي على محمود، والواد ده أمانة عندي لحد ما محمود يجي ويمضي على التنازل عن الشقة القديمة بتاعتك إنتي كمان!
الرعب اتملك مني، بس غريزة الأمومة والممرضة اللي جوايا فاقت، فهمت إنها مش مجرد قسوة قلب، دي عصابة بتخطط بدم بارد عشان تنهب شقايا وشقا ابني، واستخدموا الواد الكفيف وسيلة ضغط.
زقيت ياسين ورايا ومسكت موبايلي وبصيت ناحية الباب بكل قوة وقلت بصوت عالي أنا ممرضة يا سيد وعارفة القانون كويس، والمكالمة دي متسجلة وصوتك فيها، والنجدة مش بس على السلم، دي الحكومة محوطة المنطقة كلها عشان البلاغ اللي قدمته جارتكم الصبح!
سيد سكت فجأة، وبدأت أسمع صوت كعب جزمة نهى وهي بتقرب من الباب وبتقول بغل اعملي اللي تعمليه يا مرفت، إحنا خلاص بره مصر والتوكيل اللي محمود عملهولي هيخليكي تقضي بقية عمرك في المحاكم
عشان ترجعي بس حتة العفش دي.. والواد ده؟ خليهولك، أهو عالة وخلصنا منه!
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة مفتاح غريبة في الكالون، وياسين صرخ فجأة وهو بيشاور على الأرض يا تيتة.. المايه! فيه مايه كتير بتدخل من تحت الباب!.. بصيت لقيت مايه غزيرة بتغرق الصالة، والكهرباء بدأت تشرز من فيشة قريبة من الأرض، وفهمت إنهم قرروا يغرقوا الشقة ويحرقوا الأجهزة عشان يضيعوا أي أثر للبصمات أو الجريمة وإحنا جواها!
المية بدأت تعلى في الصالة بسرعة رهيبة، وصوت الزيزة بتاعة الكهرباء بقت ترعب، وياسين ماسك في رقبتي بكل قوته وهو بيصرخ يا تيتة الكهرباء بتعمل صوت عالي في ودني.. أنا خايف!
حسيت إن الدنيا بتسود في وشي، نهى وسيد مش بس عايزين يسرقونا، دول قرروا يخلصوا مننا قضاء وقدر عشان الكهرباء لما تلمس المية الشقة كلها هتبقى فخ موت، وهما يهربوا بالفلوس والورق ويبان إنها حادثة إهمال عادية.
بصيت على فيشة الكهرباء اللي جنب الأرض، المية خلاص فاضل لها سنتيمترات وتوصل لها، شلت ياسين على كتافي ونطيت فوق كنبة الصالة وأنا بصرخ يا محمود! لو سامعني إلحق ابنك! يا ناس إلحقونا!
فجأة، سمعت صوت دب هبيد عنيف على الباب، وصوت ابني محمود وهو بيصرخ من بره زي المجنون افتح يا سيد! افتح يا واطي والله ما هسيبك! يا أمي ابعدي عن المية!.. عرفت إن محمود فاق من اللي كان فيه وجِه، بس كان فيه صوت تاني غريب، صوت سرينة إسعاف ومطافي بتقرب من البيت.
الباب انخلع من مكانه بقوة، ومحمود دخل وهو هدومه متقطعة ووشه كله كدمات، وجري عليا شالني أنا وياسين وخرجنا في السلم قبل ما الكهرباء تضرب، لقيت الجيران كلهم متجمعين والشرطة
واخدة سيد البلطجي
تم نسخ الرابط