انقاذ حفيدي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الصدمة كانت في تحليل DNA مخبى بين الورق.. التحليل كان بيقول إن ياسين ملوش أي صلة بدم محمود، ولا حتى بدم نهى!
وفجأة، الموبايل رن تاني، نفس الرقم المجهول. فتحت السبيكر وأنا صريخي مكتوم، وسمعت صوت كريمة بيقول بوضوح فتحي العلبة يا مرفت.. واقرئي الورقة اللي تحت الصورة.. محمود مكنش بس ساكت على موتي، محمود كان بيبيع أعضاء عيالنا للناس اللي نهى وسيد شغالين معاهم، وياسين ده كان المفروض الطلبية الجاية.. بس أنا ممتش يا مرفت، أنا استخبيت في المكان اللي محدش يتوقعه.
قبل ما أنطق بكلمة، سمعت خبط على الباب، خبط رزين وهادي. قمت فتحت الباب وأنا حاسة إن روحي بتنسحب مني، لقيت قدامي ست لابسة خمار أسود ومغطية وشها، قلعت الخمار وبصت لي بعيون كلها دموع وقالت وحشتيني يا مرفت.. اتأخرت عليكي؟
كانت كريمة! وشها كان فيه حروق بسيطة بس كانت هي، بلحمها ودمها. ارتميت في حضنها وأنا بصرخ إزاي؟ والميت اللي دفناه؟ والسر اللي محمود قاله؟
بصت لي بحزن وقالت اللي اندفنت دي كانت واحدة من ضحايا نهى ومحمود، هما افتكروا إنهم خلصوا مني، بس أنا هربت بمساعدة الجارة اللي كلمتك، وفضلت سنة كاملة مراقبة كل حاجة عشان أحمي ياسين، لأنه مش ابنهم.. ياسين يبقى ابني أنا يا مرفت، ابني اللي محمود سرقه مني وسجل باسمه عشان يبيعه لما يكبر!
ياسين قام من مكانه ومشي في الضلمة كأنه شايف طريقه بالظبط، وراح لحد كريمة ومسك إيدها وقال بابتسامة غريبة خلاص يا ماما.. الحكاية خلصت؟
كريمة بصت لي وقالت ببرود مرعب لسه يا ياسين.. لسه فيه الأستاذ الكبير اللي محمود شغال عنده، واللي بعت لنا رسالة دلوقتي بيقول فيها إنه واقف تحت البيت ومستني الأمانة..
والأمانة المرة دي مش ياسين، الأمانة هي إنتي يا مرفت عشان عرفتي أكتر من اللازم!
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة عربية سودة وقفت تحت البيت، والنور قطع في الشقة كلها، وياسين همس في ودني تيتة.. متخافيش، خالتو كريمة مجهزة ليهم مفاجأة في المنور.. بس لازم نخرج دلوقتي حالا من باب السطوح!
سحبنا بعض وطلعنا على السلم الداخلي المؤدي للسطوح، كريمة كانت ماشية بخطوات واثقة في الضلمة كأنها حافظة كل طوبة، وياسين الصغير كان ماسك في إيدها وكأنه هو اللي بيديها القوة. صوت السرينة تحت البيت كان بيعلى، وصوت رزعة باب العربية السودة رن في ودني زي طلقة الرصاص.
أول ما وصلنا السطوح، كريمة قفلت الباب ب جنزير تقيل كانت مجهزاه، وبصت لي وعيونها بتلمع في ضوء القمر وقالت بصوت واطي مرفت، العلبة اللي معاكي فيها ورق يدمر أكبر رؤوس في البلد.. محمود مكنش غير مجرد ديل صغير في سبوبة كبيرة، والناس اللي تحت دول مش هيسيبونا نخرج بالورق ده حيين.
ياسين فجأة سكت، ولف وشه ناحية سور السطوح وقال بهمس تيتة.. في حد بيطلع من المواسير!
بصيت برعب، لقيت خيالات سوداء بتتسلق مواسير المنور بخفة غريبة. كريمة طلعت من جيبها جهاز صغير وضغطت على زرار، وفجأة سمعنا صوت انفجار مكتوم في المنور، وصراخ جاي من تحت.. المفاجأة اللي كريمة جهزتها كانت عبارة عن مواد كيماوية حارقة رشتها على المواسير، خلت اللي بيحاول يطلع يقع زي الفراش المحروق.
كريمة بصت لي بجمود وقالت ياسين مش كفيف يا مرفت.. ياسين بيشوف حاجات إحنا مش شايفينها، والعملية اللي عملوها له وهو صغير مكنتش عشان يطمسوا نظره، كانت عشان يخبوا في قاع عينه شريحة ميكروفيلم عليها أرقام الحسابات
والتحويلات الدولية للعصابة دي!
نطقت بذهول بتقولي إيه يا كريمة؟ ابني وحفيدي عملوا فيه كل ده؟
ياسين قرب مني ولمس إيدي وقال بصوت أكبر من سنه يا تيتة، بابا محمود كان بيعيط وهو بيعمل كده، بس نهى كانت بتقول له إن ده تمن حياتنا.. دلوقتي يا تيتة، لازم نمشي من فوق السطوح لبيت الجيران، عشان الأستاذ اللي تحت فقد أعصابه وهيولع في العمارة كلها باللي فيها.
وفعلاً، بدأت ريحة جاز قوية تطلع من السلم، وصوت نار بتبدأ تاكل في الخشب. كريمة شالت ياسين وطلبت مني أنط معاها لسطح البيت اللي لزق فينا، وفي اللحظة اللي رجلينا لمست السطح التاني، انفجرت شقتي بلهب أحمر غطى السما.
وقفنا ننهج، وبصيت ورايا لقيت العمارة اللي عشت فيها عمري بتتحرق، ومحمود ونهى والماضي كله بيتحول لرماد. كريمة بصت للموبايل اللي في إيدها وقالت بابتسامة نصر دلوقتي بس البث المباشر وصل لمكتب النائب العام.. كل اللي حصل من أول ما دخلتي الشقة لياسين لحد الانفجار ده متسجل صوت وصورة من العين اللي زرعوها لياسين.. هما افتكروه خزنة، بس ياسين كان الشاهد اللي هيعدمهم كلهم.
ياسين بص لي بعينيه اللي بدأت تلمع بنور غريب وقال تيتة.. المشوار لسه طويل، والأستاذ الكبير ميهمهوش الورق، هو عايز السر اللي كريمة لسه مكلمتكيش عنه.. السر اللي يخص جوزك اللي ميت من عشرين سنة!
فتحت بؤي بصدمة، وكريمة حطت إيدها على بؤي وقالت مش وقته يا مرفت.. العربية مستنيانا على أول الشارع، ومن اللحظة دي إحنا ملناش اسم ولا عنوان.. لحد ما الحساب يخلص.
ركبنا العربية اللي كانت مستنيانا، والجو كان مشدود لدرجة إن نَفَسنا كان مسموع. كريمة كانت سايقة بجنون وهي بتبص في المراية كل
ثانية، وياسين قاعد في حضني، حاطط راسه على صدري وكأنه بيسمع دقات قلبي اللي كانت زي الطبل.
بصيت لكريمة بزعيق مكتوم جوزي؟ إيه اللي جاب سيرة المرحوم دلوقتي يا كريمة؟ الراجل مات وشبع موت من عشرين سنة، إيه علاقة ده بكل القرف اللي إحنا فيه؟
كريمة ضغطت على الفرامل فجأة في حتة ضلمة ومقطوعة، ولفت وشها ليا، وعينيها كانت مليانة غل وحزن المرحوم ممتش بجلطة يا مرفت زي ما فهموكي.. المرحوم كان شغال في المعامل المركزية، واكتشف إن الشركة اللي الأستاذ ده بيديرها بتجرب أدوية وفيروسات مغشوشة على الغلابة في الأرياف.. ولما قرر يبلغ، صفوه.. بس قبل ما يموت، خبا الشفرة اللي بتفتح سيستم الشحنات كلها في سلسلة كانت دايماً في رقبتك!
إيدي راحت تلقائي للسلسلة الدهب اللي في رقبتي، الميدالية اللي فيها صورة جوزي.. كريمة كملت بصوت يترعش محمود ابني عرف الحقيقة من نهى، ونهى هي اللي وصلته للأستاذ.. هما مكنوش عايزين ياسين عشان أعضاؤه بس، هما كانوا بيجربوا فيه الشريحة عشان يقرأوا البيانات اللي في السلسلة لو قرب منها.. ياسين مكنش حفيدك وبس، ياسين كان المفتاح الحي اللي هيفتح ليهم خزائن الأرض!
ياسين فجأة اتعدل في حضني، وصوته اتغير، بقى رزين وهادي بشكل يرعب تيتة.. السلسلة مش دهب.. السلسلة دي فيها نبض بيكلمني من ساعة ما شلتيني في الشقة.. والراجل اللي ورا العربية اللي ماشية ورانا دلوقتي عارف كده كويس.
بصيت ورايا، لقيت كشافات عربية عالية جداً بتقرب مننا بسرعة الصاروخ، وبدأت تخبط في ضهر عربيتنا عشان ترمينا في الترعة اللي على جنب الطريق. كريمة صرخت تمسكي يا مرفت! ودست بنزين لآخر سرعة.
وفي عز المطاردة دي، الموبايل رن للمرة
الأخيرة، بس المرة دي مكنش
تم نسخ الرابط