صدمة حماتي لما عرفت اني حامل في بنت حكايات انجى الخطيب
يا مريم.. بنتك لازم تعيش! وفي اللحظة اللي دخلنا فيها المستشفى، سيف همس في ودني جملة خلتني أرتعش أكتر من الوجع المعركة مخلصتش يا مريم.. السلسلة اللي معاكي.. القفل بتاعها لسه فيه ميكروفون شغال.. والطرف التاني اللي بيسمعنا دلوقتي.. هو اللي دفع لفارس وعماد عشان يخلصوا عليكي!
دخلت أوضة العمليات وأنا بين الحياة والموت، صوت صفارات الأجهزة كان بيضرب في ودني زي الطبول، وجملة سيف فيه طرف تالت بيسمعنا كانت بتلف في دماغي زي الساقية. الممرضات بيجروا حواليا، والدكتورة بتصرخ الضغط بيوطي، جهزوا الدم بسرعة! وأنا مكنتش شايفة غير صورة الخيال اللي طالع من وسط حطام الطيارة.. مين ده اللي النار مأكلتوش؟ ومين اللي لسه بيراقبنا من ورا الميكروفون؟
وسط الوجع والغياب عن الوعي، سمعت صوت بكاء رفيع.. صوت شق سكون الأوضة الكئيبة. مبروك يا مدام مريم، بنوتة زي القمر، بس لازم تدخل الحضانة فوراً. غمضت عيني وأنا ببتسم بوجع، خلاص، بنتي جت الدنيا، الوريثة الحقيقية وصلت.
بعد ساعات، فتحت عيني في أوضة هادية، لقيت سلطان وسيف واقفين عند الباب، ملامحهم كانت مخطوفة. سلطان قرب مني وباس راسي وهو بيترعش حمد لله على سلامتك يا بنتي، البنوتة كويسة بس تحت الملاحظة. سألت بلهفة وصوت مخنوق فين الورق؟ فين السلسلة؟ سيف بص للأرض وقال بصوت واطي السلسلة اختفت يا مريم.. الممرضة اللي استلمت هدومك في العمليات ملهاش أثر، وكاميرات المستشفى كلها اتعطلت في العشر دقايق اللي دخلتي فيهم.
قلبي سقط في رجلي، السلسلة اللي فيها الدليل والسر كله ضاعت؟ سيف كمل وهو بيمسح عرق جبينه المفاجأة مش هنا.. المفاجأة إن التحريات بتقول إن الجثة اللي لقوها في حطام الطيارة مش جثة صفية.. دي جثة المضيفة اللي كانت معاها، وصفية اختفت قبل الانفجار بثواني.
فجأة، الباب خبط، ودخل عامل نظافة لابس كمامة وشايل صندوق هدايا كبير، حطه على السرير وخرج بسرعة من غير ولا كلمة. سلطان وسيف هجموا على الصندوق وفتحوه بحذر، ولقيتنا كلنا بنشهق من الصدمة.
جوة الصندوق كان فيه فستان بيبي أبيض، غرقان دم، ومحطوط فوقيه السلسلة بتاعتي مكسورة نصين، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط أحمر يوجع القلب البنت اللي ورثت كل حاجة.. ملهاش عيش وسطنا. السر مش في السلسلة يا مريم.. السر في وشم
سلطان جري زي المجنون على أوضة الحضانة، وسيف طلع مسدسه ووقف يأمن الباب، وأنا حاولت أقوم من على السرير وأنا بصرخ من الوجع. لما سلطان وصل للحضانة، صرخته هزت جدران المستشفى كلها.
جريت وراه بجرجر رجلي والدموع مغرقة وشي، دخلت الحضانة لقيت السرير بتاع بنتي فاضي! وفيه ورقة تانية مكانها مكتوب فيها لو عايزة بنتك.. تعالي المكان اللي بدأ فيه كل حاجة.. تعالي القصر القديم اللي جَدك اتقل فيه، بس لوحدك.. ومن غير سلطان.. لأن سلطان لسه مقالكيش هو قتل أبوه ليه!
بصيت لسلطان بصدمة، ولقيت ملامحه اتحولت لجمود مرعب، ونزل عينه في الأرض وهو بيطبق إيده بقوة.. وفي اللحظة دي، النور قطع عن المستشفى كلها، وسمعت صوت صفية بتههمس في ودني من وسط الظلمة نورتي يا صاحبة الملك.. استعدي عشان هتشوفي بنتك.. لآخر مرة.
الظلمة كانت تقيلة زي الكفن، وصوت صفية وهو بيوش في ودني خلّى شعر جسمي يقف. سلطان كان واقف ورايا زي الصنم، مبيتحركش، وأنا مش قادرة أنسى الجملة اللي قريتها سلطان قتل أبوه!
سحبت نفسي بالعافية وخرجت من الحضانة وأنا بسند على الحيطان، سيف كان بيحاول يشغل كشاف موبايله ويصرخ في اللاسلكي، بس مفيش رد. فجأة، حسيت بإيد بتتسحبني من وسط الضلمة لداخل أسانسير الخدمات، كنت هصرخ بس الإيد دي كتمت بؤي.. كان سيف!
همس في ودني وهو بينهج مريم، متمشيش ورا سلطان، الورقة صح.. أنا كنت شاكك فيه من الأول، سلطان مظهرش دلوقتي صدفة، ده ظهر لما عرف إن السلسلة معاكي! الأسانسير نزل بينا للبدروم، وسيف خرجني من باب خلفي ورماني في عربية مركونة وداس بنزين وهو بيقول إحنا لازم نوصل للقصر القديم قبلهم، بنتك هناك، بس مش صفية اللي خطفتها.. اللي خطفها هو الطرف التالت اللي صفية نفسها بتنفذ أوامره.
وصلنا القصر القديم، القصر اللي كان مهجور ومسكون بذكريات الدم. المكان كان غرقان في صمت غريب، ونور القمر راسم خيالات مرعبة على الشجر. دخلت لوحدي زي ما طلبوا، ورجلي بتخبط في بعضها من الرعب والتعب.
في الصالة الكبيرة، لقيت كسي هزاز محطوط في النص، وعليه بنتي.. كانت نايمة بهدوء غريب. جريت عليها وضميتها لصدري وأنا بنهار من العياط، بس فجأة لقيت النور اشتغل، وشفت سلطان واقف قدامي، وماسك في إيده
سلطان قرب مني ببرود وقال أبويا مكانش قديس يا مريم.. أبويا كان كاتب كل حاجة لبنت ابنه اللي اتقتل، وحرمني أنا وفارس وصفية من كل مليم، كان لازم يموت عشان الحق يرجع لأصحابه. ضحك ضحكة مكتومة وكمل بس اللعبة وسعت مني لما صفية خبتك، والنهاردة، إنتي وبنتك هتكونوا الجسر اللي هيعديني لثروة الشرقاوي كلها.
وقبل ما سلطان يرفع مسدسه، سمعنا صوت خبط عصاية على الأرض.. وخرجت من ورا الستارة ست عجوزة، وشها متغطي ببرقع أسود، بس عينيها كانت بتلمع بذكاء وشَر يوزن بلد. سلطان أول ما شافها ركع على ركبه وهو بيترعش وقال ست الكل؟ إنتي جيتي إمتى؟
الست دي قربت مني، ومدت إيدها المجعدة ولمست وش بنتي، وقالت بصوت هادي يرعب سلطان ابني خايب، وصفية تلميذة فاشلة.. أنا عزيزة الشرقاوي، مراته الأولى اللي الكل افتكر إنها ماتت من سنين، وأنا اللي كنت بدير اللعبة دي من أول يوم.
بصت لي وقالت بابتسامة خبيثة عارفة الوشم اللي ورا ودن البنت ده إيه يا مريم؟ ده مش وشم.. ده ختم المبايعة اللي جَدك عمله، البنت دي مش مجرد وارثة، البنت دي هي المفتاح لمخزن الذهب والآثار اللي جَدك خباهم تحت القصر ده، والمخزن مبيفتحش غير ببصمة عينها هي!
وفجأة، الباب اتفتح وسيف دخل وهو مصوب مسدسه، بس الصدمة إن سيف موجهش المسدس لسلطان ولا لعزيزة.. سيف وجه المسدس ليا أنا!
سيف قال ببرود آسف يا مدام مريم، بس أنا كمان بشتغل لحساب الست عزيزة.. والآن، وقت الافتتاح وصل.
بصيت لبنتي اللي بدأت تفتح عينيها، وبصيت للوشم اللي بدأ ينور بلون أحمر غريب وكأنه بيتفاعل مع المكان.. وتحت رجلينا، بدأت الأرض تتهز وصوت تروس معدنية بتتحرك تحت البلاط، والست عزيزة صرخت بجنون افتحي يا كنوز الشرقاوي.. الملكة رجعت!
وفجأة، الوشم اللي ورا ودن بنتي بدأ يختفي، وظهرت مكانه حروف باللغة العربية القديمة، خلت الست عزيزة تبرق وتتراجع لورا وهي بتصوت مستحيل! ده مش الختم بتاعي.. ده ختم اللعنة!
الأرض انشقت، وبدل ما يطلع ذهب، طلع دخان أسود كثيف غطى المكان كله، وسمعت صوت بنتي بتضحك ضحكة مش ضحكة أطفال أبداً.. ضحكة خلت القصر كله يتهز وكأنه هيقع فوق دماغنا.
الدخان الأسود كان بيلف في المكان زي الإعصار، وعينين بنتي كانت بتلمع ببريق غريب عمري ما شفته في بشر. الست عزيزة
سلطان وسيف وقفوا مكانهم متجمدين، والمسدسات وقعت من إيديهم وكأن فيه قوة خفية سحبت روحهم. وفجأة، الحروف اللي ظهرت ورا ودن بنتي بدأت تنطق نور أبيض غسل سواد المكان، ولقيت القصر كله بيتحول لساحة محاكمة.
من وسط الدخان، ظهر خيال جَد ياسر، بس مكنش خيال مرعب، كان باصص لي بهدوء وطمأنينة وقال بصوت كأنه جاي من بعيد مريم.. السر مكنش في الدهب، السر كان في الأصل. البنت دي مش بس بنتك، دي هي اللي هتطهر بيت الشرقاوي من كل اللي باعوا ضميرهم.
فجأة، الأرض اللي انشقت بدأت تبلع الست عزيزة وسلطان وسيف، وهما بيصرخوا صرخات مكتومة وكأن الأرض بتسحبهم لتحت لرفضها لوجودهم. وفي ثانية، كل حاجة رجعت لهدوئها، الدخان اختفى، والنور قطع، ومفضلش غيري أنا وبنتي في حضني في نص الصالة المهجورة.
بصيت ورا ودن بنتي، لقيت الحروف اختفت تماماً ورجع جلدها ناعم وزي الفل، والهدوء اللي سكن القصر كان غريب، كأن القصر اتحول. قمت بالعافية وخرجت للبوابة، ولقيت الفجر بيشقشق ونوره بيملى السما.
قدام الباب، لقيت عربية شرطة واقفة، ونزل منها الظابط اللي قبض على صفية، وبص لي بذهول وقال مدام مريم؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ إحنا
جالنا بلاغ إن فيه حركة غريبة في القصر.. وإيه الشنطة اللي في إيدك دي؟
بصيت لإيدي، لقيتني ماسكة الشنطة السوداء اللي كانت مع عماد المحامي، فتحتها ولقيت فيها تنازلات رسمية وموثقة عن كل أملاك الشرقاوي باسم بنتي ليلى، ومعاها رسالة صغيرة بخط الجد العدل أساس الملك.. والملك لله وحده.
الظابط بص لي باحترام وقال أستاذة مريم، صفية اعترفت بكل حاجة قبل ما تموت في المستشفى من شوية.. إنتي دلوقتي حرة، والبلد كلها عرفت الحقيقة.
ركبت العربية وأنا بضم ليلى لصدري، وببص للشمس اللي طالعة بتمحي سواد الليالي اللي فاتت. عرفت إن الرحلة كانت صعبة، وإن الثمن كان غالي، بس في الآخر، البنت اللي ملهاش قيمة في نظر حماتي وكانت عايزة تقتلها، هي اللي أنقذت شرف العيلة وبقت هي سيدة القصر الحقيقية.
وانتهت حكاية مريم وليل بنور الشمس اللي غطى كل الجروح، وبدأ عصر جديد لآل الشرقاوي.. عصر مفيهوش غير الحق، والعدل، وحضن الأم اللي
تمت
بقلم انجي الخطيب