درس من طفلة حكايات انجى الخطيب
قاعدة في الصالة، لابسة لبس المدرسة، وبتاكل الساندوتش بتاعها بمنتهى البساطة. بصت لي باستغراب وقالت في إيه يا ماما؟ أنتي كنتي فين؟ أنا مستنياكي عشان نلبس ونروح المدرسة.
وقفت مكاني مشلولة.. مريم، أنتي كنتي معايا فوق في المخزن! والسبحة، والصندوق! مريم ضحكت وقالت مخزن إيه وصندوق إيه؟ أنا لسه صاحية من النوم، وكنت بحلم إن صاحبتي اللي ريحتها وحشة دي بقت ريحتها مسك وبتطير في السما.
بصيت في إيدي، لقيت السبحة موجودة، بس نورها انطفى وبقت سبحة خشب عادية جداً، لكن ريحة المسك كانت لازقة في صوابعي. عرفت وقتها إن اللي حصل مكنش حلم، ولا كان حقيقة عادية.. ده كان كشف لستار بيننا وبين عالم تاني مبيفتحش بابه غير للقلوب اللي بتدي بصدق.
لبست مريم ووديتها المدرسة، وأنا قلبي مقسوم نصين.. نص مرعوب ونص مطمن. وأنا ماشية قدام بيت جارتنا، لقيت ناس متجمعين وصوت قرآن طالع من بيتها. سألت واحد واقف
غمضت عيني والدموع نزلت، وحسيت بالسبحة في جيبي بتدفا تاني. مريم شدت إيدي وقالت لي ماتعيطيش يا ماما.. هما دلوقتي بيفطروا عند ربنا، والراجل قالي إننا لازم نملى الشنطة تاني، بس المرة دي للي لسه ميعرفوش طريق الستر.
ومن يومها، بقيت بخرج كل ليلة، مش بكيس أسود واحد، لكن بشنطة مريم الملونة.. والسر اللي عرفته مكنش بس عن Kindness أو العطاء.. السر كان إننا مجرد سُعاة بريد لربنا، والرسالة الحقيقية هي إننا نفضل مستورين، عشان الستر هو اللي بيخلينا نشوف الراجل اللي تحت الشجرة.
رجعت البيت وأنا زي اللي في غيبوبة، مريم دخلت أوضتها بهدوء عجيب، وأنا وقفت قدام مراية الصالة أبص لوشي.. كنت حاسة
فجأة، جرس الباب رن.. دقات قلبي وقعت في رجلي. بصيت من العين السحرية، لقيت شاب غريب، لابس لبس مهندم وشايل كرتونة كبيرة. فتحت الباب وأنا مرعوبة، قال لي بابتسامة صافية حضرتك والدة مريم؟ قلت له بصوت مهزوز أيوه، خير؟
قال لي أنا ابن جارتكم الأرملة اللي توفت، أنا كنت مسافر بشتغل بره بقالي سنين ومحدش يعرف عني حاجة، حتى أمي كانت فاكرة إني مت في الغربة.. بس جالي راجل في المنام لابس جلباب أبيض وقالي أمانتك بتوصل لغيرك بقالها سنين، ارجع رد الأمانة لأهلها قبل ما الباب يتففل ولما سألته مين أهلها، وصف لي البيت ده والشقة دي بالظبط.
ساب الكرتونة ومشي بسرعة قبل ما أسأله عن أي حاجة، فتحت الكرتونة لقيتها مليانة أكياس مسك، وصور قديمة لأمي وهي صغيرة ماسكة إيد نفس الست الأرملة،
دخلت أوضة مريم، لقيتها نايمة في سريرها زي الملاك، والشنطة الملونة محطوطة جنبها على الأرض. فتحت الشنطة لقيت فيها رغيف عيش سخن لسه بيدخن، وجنبه ورقة بخط مريم ماما.. الراجل بيقولك بلاش تطلعي بالليل تاني، الستر دلوقتي بقى بالنور.. والشنطة دي لازم تروح بكرة لبيت جديد.
في اللحظة دي فهمت.. إن مريم مكنتش مجرد بنتي، دي كانت رسالة مبعوتة لي عشان تخرجني من ضلمة الخوف لنور اليقين. مسكت السبحة ورفعت عيني للسما وقلت يا رب استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
ومن اليوم ده، مبقاش فيه أكياس سوداء ولا خفايا، وبقيت بوزع الخير في عز الشمس، والناس بتسألني إيه الريحة الحلوة اللي ماشية معاكي دي يا أم مريم؟ كنت ببتسم وأبص لمريم اللي ماشية جنبي وبقول في سري دي ريحة الأمانة اللي وصلت لأصحابها.
تمت.
حكايات