درس من طفلة حكايات انجى الخطيب
المحتويات
أيام بتدعي إن ربنا يريحها من الوجع. نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي، وطلعت شقتي دخلت أوضة مريم، لقيتها قاعدة على السرير وماسكة الشنطة اللي كان فيها الأكل، بس الشنطة المرة دي كانت فاضية تماماً، ومريم بصت لي وقالت ماما.. الراجل بيقولك إن الشنطة دلوقتي بقت ملكك انتي.. يا ترى هتحطي فيها إيه عشان يوصل للي لسه عايشين؟ وقبل ما أرد، لقيت في قعر الشنطة سبحة بتنور وشوية تراب ريحتهم مسك!
مسكت السبحة في إيدي، كانت دافية بشكل مش طبيعي، ونورها بيخفت ويعلى مع دقات قلبي. مريم كانت بتبصلي بنظرة أكبر من سنها بكتير، نظرة فيها عتاب وفيها حمل تقيل. سألتها وصوتي متهدج يا مريم، صاحبتك ماتت فعلاً؟ والراجل ده كان عايز إيه؟ مريم قامت من على السرير ومشت ناحية الشباك، شاورت بصباعها الصغير لبره وقالت بصي يا ماما.. الشجرة مفيش تحتها حد، بس ريحته لسه في كل مكان.. هو مكنش عايز الأكل، هو كان بيشوف قلبك هيستحمل يكمل الستر وهو مش شايف النتيجة ولا لا.
وفجأة، سمعت صوت خبط رزيم على باب شقتي، خبطة تلات مرات وبينهم ثانية واحدة. مريم همست ماتفتحيش يا ماما إلا لو معاكي الشنطة. جريت على الشنطة الفاضية اللي ريحتها مسك، لبست طرحتي ووقفت ورا الباب
فتحت الباب ببطء، ومديت إيدي أخدت الكيس، وأول ما لمسته، حسيت ببرودة تجمّد الدم. فتحت الكيس لقيت جواه حاجة غريبة.. مكنش فيه الأكل اللي حطيته، كان فيه مفتاح قديم وورقة مكتوب فيها الرزق بيحب الخفاء، والستر باب ملوش مفتاح إلا الصبر.. جارتك مش محتاجة أكل، جارتك محتاجة اللي يخرجها من السجن اللي هي فيه.
مريم جت وقفت جنبي وبصت للمفتاح وقالت ده مفتاح المخزن اللي فوق يا ماما.. بس المرة دي مش عشان نشوف الأمانة وهي بتوصل، المرة دي عشان نخرج الأمانة اللي محبوسة هناك بقالها سنين. قلبي اتقبض، وسألتها أمانة إيه يا بنتي؟ المخزن كان فاضي! مريم ضحكت ضحكة وجعت قلبي وقالت المخزن فاضي للي بيشوف بعينه، بس مليان للي بيحس بقلبه.. جارتنا كانت مخبية هناك سر بنتها اللي ماتت، والسر ده هو اللي هيخليكي تعرفي ليه ريحة المسك كانت مالية المكان.
طلعت أجري على السلم، ومريم ورايا، المرة دي مكنتش خايفة، كنت زي اللي بيطارد حقيقة هتهبلني. وصلت للدور الأخير، حطيت المفتاح في القفل، ولفيته.. الباب
فتحت الصندوق، ولقيت جواه صور قديمة لست تشبهني بالظبط، لدرجة تخوف، ومعاها عقد دهب فيه فص كبير من المسك الجاف، وورقة مكتوبة بخط إيد أمي الله يرحمها لبنتي اللي لسه هتيجي.. الستر مش بس في الأكل، الستر إنك تحفظي سر عيلتك اللي بدأ من هنا.. جارتك هي اللي شالت السر ده سنين، ودلوقتي جه وقتك.
وقعت من طولى وأنا بحاول أجمع الخيوط.. جارتي، أمي، مريم، والراجل اللي تحت الشجرة! مريم قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالت بجمود دلوقتي عرفتي ليه صاحبتي كانت صايمة؟ هي مكنتش صايمة لله بس، هي كانت صايمة عشان تفدينا كلنا.. والراجل ده مش هيظهر تاني، لأن الأمانة دلوقتي بقت في رقبتك انتي. بصيت لمريم، ولأول مرة آخد بالي إن عيونها بقوا بلون نور السبحة.. وقالت لي جملة خلت جسمي يتلج ماما.. انتي فاكرة إنك انتي اللي مخلفة مريم؟ ولا مريم هي اللي اختارتك عشان تكملي الطريق؟
الدنيا لفت بيا وسندت ضهري على حيطة المخزن الباردة، وبصيت لمريم وأنا
بإيد بتترعش، رفعت البلاطة، لقيت تحتها مصحف قديم متغلف بقماش أخضر، وجنبه ورقة مطبقة بعناية. فتحت الورقة، ولقيت فيها وصية مكتوبة بوضوح إلى من يجد هذا المكان.. الستر ليس جداراً، بل هو روح تنتقل من قلب إلى قلب. مريم ابنتي لم تمت، بل عادت لصاحب الأمانة، ومن يكمل الطريق سيجد رفيقه تحت شجرة الجميز.
فجأة، سمعت صوت نداء من الشارع.. صوت راجل بينادي يا مستور.. يا كريم. جريت على الشباك الصغير المفتوح في المخزن وبصيت تحت، شفت الراجل صاحب الجلباب الواسع واقف تاني تحت الشجرة، بس المرة دي وشه كان باين.. كان وشه يشبه والدي الله يرحمه بالظبط! رفع عينه وبص لي، وابتسم ابتسامة خلت روحي تترد فيا، وشاور لي بإيده كأنه بيقولي انزلي.
لفيت لمريم لقيتها اختفت! مفيش حد في المخزن غيري. قلبي كان بيدق بعنف، صرخت مريم! يا مريم! ملقيتش رد. نزلت أجري على السلم زي المجنونة، وصلت شقتي، فتحت الباب وناديت
متابعة القراءة