مواجهة الندم المتأخر كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

بسنت الصفرا في الصالة.. ونظرة ابنك اللي رفع عينه وبص لك وهو مش مهزوز، ولا سألك جيت ليه، ولا حتى حاول يمثل المفاجأة.
الناس دايماً بتفتكر إن الحقيقة بتيجي زي الرعد، بس هما غلطانين.. الحقيقة بتيجي في حاجات أصغر وأبرد بكتير؛ في تفصيلة مش راكبة على بعضها، في سكوت مريب، في وش كان المفروض يبان عليه تعبير معين وبان عليه حاجة تانية خالص. على نص الليل، كنت متأكد من حاجتين خلوا النوم مستحيل كريمة مدخلتش العناية بسبب حظ وحش، وأياً كان اللي عصام وبسنت بيخططوا له، فقرارك بقفل الحسابات البنكية قطع عليهم الطريق.
بداية الخيط.. رأفت يظهر في الكادر
رأفت وصل المستشفى بعد الساعة حداشر بشوية.
دخل الاستراحة وجاكتته مبلولة من مطر خفيف، وعلى وشه نظرة راجل قرر إنه مش هيمشي قبل ما يطمن. رأفت صاحبي من أيام الثمانينات، يعني عارف طبقات حياتي كلها، مش مجرد العناوين. مبيضيعش وقت في جمل المواساة الفاضية؛ قعد جنبي، بص في وشي وقال بوضوح احكي لي كل حاجة تاني.. من الأول خالص.
حكيت له.. عن المؤتمر اللي خلص بدري، وعن إني مكلمتش حد عشان كنت عايز أفاجئ كريمة ب أكل صيني وليلة هادية. حكيت له عن عصام وبسنت اللي كانوا قاعدين في الصالة زي اتنين مستنيين بره أوضة عمليات، وهما أصلاً عارفين
التشخيص مسبقاً.
بعدين حكيت له عن الدكتورة.. عن كلامها عن فشل كلوي ونسبة سموم وتعرض مستمر. عن نظرة الدكتورة نهى وهي بتقول إن ده مش مرض مفاجئ. عن كريمة اللي بقت حتة لحمة حمرا وسط الأجهزة، بعد ما كنت فاكر إن تعبها ده مجرد ضغط شغل أو سن يأس.. أتاري حد كان بيسحب روحها بالمعلقة وأنا مش حاسس.
رأفت ركن ضهره لورا ومسح بيده على بقه وقال
طيب.. انسى إنك زوج للحظة، وفكر كراجل بيته بقى مسرح جريمة. أولاً إنت قفلت الحسابات وده صح. ثانياً مفيش مخلوق يدخل البيت ده قبلك. ثالثاً لو ابنك مكنش متفاجئ بوجودك، يبقى كان عارف إنك راجع.. وده معاه إن فيه حد كان مراقب خط سيرك.
الكلمة دي وقعت على ودني زي الصاعقة. كنت مشغول بجهاز القلب وتحويلات البنك لدرجة إني مفكرتش إزاي عصام عرف؟ طيارتي متبدلة في آخر لحظة، ومقلتش لحد.. يبقى مفيش غير حل واحد حد معاه باسوردات حاجتي.
فتحت أبلكيشن الطيران على موبايلي.. لقيت دخول من جهاز متزامن الساعة ١٢١٤ الضهر، بالظبط بعد ما حجزت الرحلة. اسم الجهاز عرفته فوراً لأن أنا اللي مشتريه لمراتي من سنتين.. الآيباد بتاع كريمة. اللي بسنت كانت بتساعدها فيه الفترة الأخيرة عشان كريمة مبقتش تفهم في التكنولوجيا وتحديث البرامج على حد قول بسنت!
رأفت نفخ بضيق
وقال كانوا عارفين كل خطوة.
المواجهة الصامتة.. والبحث عن السم
البرود اللي سيطر عليا ساعتها كان مفيد أكتر من الغضب. لو بسنت شافت ميعاد الطيارة، يبقى كانت عارفة إني جاي. ولو كانت عارفة وفضلت قاعدة هي وعصام مستنيين، يبقى مكنوش مجرد قرايب مخضوضين.. دول كانوا بيرتبوا المشهد.
الساعة واحدة وربع الصبح، الدكتورة نهى خرجت تانى.
قالت بجدية الحالة مستقرة، وده الخبر الكويس.. بس لسه بنعمل تحاليل المعمل. المادة اللي في دمها مش نتيجة تسمم غذائي ولا جرعة غلط.. دي نتيجة جرعات متكررة على مدار فترة طويلة.
كلمة متكررة خلتني أحس بالغثيان.
يعني يوم الثلاث ده كان مجرد النهاية.. يعني كريمة كانت بتتدمر قدام عيني وأنا في اجتماعاتي ومأمورياتي بتكلم عن تطوير الشغل والحياة في بيتي كانت بتنهار. يعني فيه حد كان عنده روتين يومي للقتل!
رأفت سأل قبل ما أنا أنطق بلغتوا الشرطة؟
الدكتورة هزت راسها ده بروتوكول المستشفى في الحالات اللي زي دي.. التقرير طلع فعلاً. وبعدين بصت لي وقالت لازم تفتكر مراتك كانت بتشرب إيه أو بتاخد إيه بانتظام من إيد أي حد.. الموضوع ده حياة أو موت.
الإجابة مجتش في عقلي ك فكرة، جت ك صورة
علبة شاي زرقاء.
بقالها كام شهر، بسنت بتجيب لكريمة هدايا صحة وجمال.. أعشاب
طبيعية، فيتامينات، بودرة كولاجين. كانت كريمة بتضحك وتقول مرات ابنك فاكرة إنها هتعالج تعب السنين بشوية أعشاب!.. كنت بضحك معاها وقتها.. دلوقتي الضحكة دي بقت زي السكينة في قلبي.
الحقيقة في علبة الشاي
على الساعة ٢ الصبح، وصلت المحققة.. ليلى. ست أربعينية، ملامحها حادة زي السيف. حكيت لها كل حاجة؛ عن عصام وبسنت، عن قفل الحسابات، عن الآيباد، وعن علبة الشاي الزرقاء. ليلى كتبت الملحوظة الأخيرة دي مرتين.
قالت لي بلهجة قاطعة مترجعش البيت لوحدك.. أنا عايزة البيت زي ما هو عشان المعاينة.
سألتني سؤال أخير مراتك كانت بتدير أموال أو ممتلكات؟
بصيت أنا ورأفت لبعض.. افتكرت إني بعد ما قفلت الحسابات، لغيت توكيل عصام في حساب الطوارئ اللي كانت جدته سيباه للأحفاد. بسنت لما جالها إشعار البنك مكنش وشها وش خوف على كريمة.. كان وش رعب من الفقر.
الساعة تلاتة ونص الصبح، كريمة فتحت عينها.
مفتحتش قوي، ولا طولت.. بس شافتني. لمست إيدي وحاولت تتكلم.. صوتها مكنش طالع، كان مجرد نَفَس ضعيف. ميلت عليها عشان أسمع.. قالت بمرارة
الشاي.. العلبة الزرقاء.. بسنت.
جسمي اتخشب.. والممرضة جت بسرعة تخرجني عشان ضربات قلب كريمة زادت. بس كلمة بسنت فضلت ترن في ودني زي الجرس.
البيت اللي مابقاش بيت
الفجر،
دخلت البيت مع المحققة ورأفت.
البيت
تم نسخ الرابط