مواجهة الندم المتأخر كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

رجعت بدري عشان أفاجئها.. لقيت عصام ومراته مستنيين موتها!
بيقولوا إن أكتر حاجة بتخوف الواحد وهو راجع بيته بدري إنه يلاقيه فاضي.. بس أنا اليوم ده، ولأول مرة في حياتي، اتمنيت لو فعلاً لقيت البيت فاضي ومحدش فيه.
بعد ٢٣ سنة جواز، بيبقى عندك نوع من الحاسة السادسة. مش كلام أفلام ولا روايات، لا.. دي عشرة. بتبقى حافظ رتم الحياة مع اللي معاك لدرجة إنك بتحس ب الخطر قبل ما تشوفه بعينك.
يوم الثلاث ده، أول ما دخلت شارعنا في المعادي، قلبي انقبض.
المفروض كنت في مأمورية شغل في إسكندرية وراجع بكره، بس المؤتمر خلص بدري والضيف اعتذر، فقلت أرجع القاهرة مفاجأة ل كريمة مراتي. مشيت من غير ما أتصل، ولا بعت رسالة، ولا قلت لأي حد. كنت ناوي أعدي أجيب أكل صيني هي بتحبه، ونقعد نتعشى في هدوء من غير تليفونات ولا دوشة.
كنت راجع ومزاجي رايق.. وده كان المفروض يكون أول إنذار ليا.
أول ما وصلت، لقيت عربية ابني عصام مركونة قدام البيت.
عصام عنده ٢٦ سنة، متجوز بسنت، وعايشين في شقة تانية أنا اللي مجهزها ليهم بالكامل. هو مش من النوع اللي بيعمل زيارات مفاجئة، ده بالعافية بيجي في المواعيد المترتبة!
وقفت قدام البيت، طفيت الموتور، وفضلت باصص للعربية وأنا بكلم نفسي إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟
دخلت البيت بالشنطة بتاعتي،

ولقيت تاني حاجة غريبة.. الهدوء.
مش هدوء راحة، ولا هدوء قيلولة العصر.. ده هدوء تقيل، هدوء شؤم، كأن الحيطان عارفة حاجة أنا لسه معرفهاش.
لقيت عصام وبسنت قاعدين في الصالون.. جنب بعض.. متخشبين زي التماثيل.
لا تليفزيون شغال، ولا ماسكين موبايلات، ولا حتى بيتكلموا.
قاعدين زي اللي مستنيين نتيجة تحليل في معمل، وهما أصلاً عارفين النتيجة من قبل ما تطلع.
واللي وجع قلبي بجد.. إن عصام بصلي ولما شافني مبرقش!
متفاجئش خالص.. ولا قال بابا؟ جيت امتى؟ ولا بان عليه أي ذهول.
بصلي ببرود كأنه كان مستني يشوفني داخل من الباب، رغم إني المفروض مسافر!
أما بسنت فكانت أسوأ..
ابتسمت.. بس مش ابتسامة ترحيب، ولا حتى ارتباك.
كانت ابتسامة صفراء، باردة، كأنها مش عارفة تلبس أنهي وش، فلبست أكتر وش مش بشري عندها.
قلتلهم بحدة في إيه؟ أمكم فين؟
عصام نحنح وقال يا بابا.. كنا لسه هنكلمك..
قاطعته بزعيق بقولك أمك فين؟!
نزل عينه في الأرض وقال تعبت الصبح فجأة.. ودوها مستشفى مصر الدولي.. هي دلوقتي حالتها مستقرة.
أنا مسمعتش كلمة مستقرة.. أنا عقلي وقف عند كلمة مستشفى.
محستش بنفسي وأنا بجري على العربية، بس قبل ما أدور الموتور، طلبت رأفت.. صاحبي وعشري من سنة ٨٩. رأفت ده اللي شايل معايا كل همومي وعارف أسراري أكتر من قرايبي.

رأفت.. كريمة في المستشفى.. رجعت البيت لقيت عصام ومراته قاعدين كأنهم مستنيين حاجة.. عصام مبرقش لما شافني يا رأفت، كأنه كان عارف إني جاي!
رأفت سكت شوية وقال بصوت واطي سوق بالراحة يا صاحبي.. وطمنوني.
وصلت المستشفى في دقايق.. دكتورة نهى استقبلتني قدام العناية المركزة.
أستاذ رأفت.. مدام كريمة جت الصبح وهي مش واعية خالص، عندها بوادر فشل كلوي ونسبة سموم عالية جداً في الدم.
قلت بذهول سموم؟ يعني إيه؟
بصتلي بثبات وقالت إحنا بنعمل كل الفحوصات، بس للأمانة.. ده مش مرض مفاجئ. ده شكل تعرض مستمر ل مادة معينة بقالها فترة.. حاجة كانت بتتبني في جسمها بالتدريج.
حسيت كأن جبل تلج نزل فوق راسي.. إنتي قصدك إن حد عمل فيها كده؟
قالتلي قصدي إن الشواهد كتير وصعب نتجاهلها.
دخلت الأوضة.. شفت كريمة.. كانت دايماً بتملا أي مكان تدخله بضحكتها وحيويتها.
لقيتها هناك.. بهتانة.. صغرت أوي وسط الملايات البيضاء.. متوصلة بأجهزة صوتها عالي في أوضة ساقعة. كأن فيه حد كان ب يسحب حياتها منها بالقطارة، وأنا كنت بقول ده إرهاق، ضغط شغل، كبر سن.. كنت بقول أي حاجة إلا الحقيقة البشعة.
مسكت إيدها وحلفت أنا هنا يا حبيبتي.. مش هسيبك ولا هسيب اللي عمل فيكي كده.
خرجت لقيت عصام وبسنت مستنيين في الصالة.
بابا، إحنا محتاجين نتكلم،
عصام قالها ببرود.
رفعت إيدي في وشه مش دلوقتي.
وفي لحظتها، طلعت موبايلي وعملت أكتر حاجة صح خطرت على بالي..
قيدت كل صلاحيات الدخول على حساباتي البنكية اللي كان عصام معاه توكيل أو صلاحية طوارئ عليها.
قفلته على كل مليم.. الحساب الجاري، الودائع، الفيزا المرتبطة باسمي.. كله!
في ثواني موبايلاتهم نورت بإشعارات البنك.
بصيت لوش بسنت.. الابتسامة الباردة اختفت تماماً.. وشها اتقلب ١٨٠ درجة كأن حد طفى النور فجأة.
ساعتها فهمت الحقيقة المرة..
أنا مش بس في أزمة عائلية.. أنا كنت في وسط عش دبابير.
قضيت الليل في المستشفى، بشرب قهوة مرة، تحت نور الفلورسنت اللي بيوجع العين، وبفكر في كل زيارة، كل كلمة، كل شاي اتقدم لكريمة وأنا مش واخد بالي.
ولما الشمس طلعت، كنت متأكد من حاجة واحدة
اللي حصل لمراتي مكنش قضاء وقدر..
واللي كانوا مستنيين في البيت، مكنوش مستنيين يطمنوا عليها..
كانوا مستنيين يعرفوا هي هتموت ولا لأ!
ليلتها، النوم مكنش ليه طريق لعينك.
فضلت قاعد في استراحة العناية المركزة، ماسك كوباية قهوة رديئة بردت في إيدك، وأنوار الفلورسنت الباهتة مخلية كل حاجة حواليك شكلها أقسى من الحقيقة. قعدت تعيد شريط اللي حصل الضهرية لحد ما مابقاش مجرد ذكرى، وبقى دليل إدانة. رجوعك بدري من إسكندرية.. عربية عصام
اللي كانت مركونة قدام البيت الساعة تلاتة.. ابتسامة
تم نسخ الرابط