بـين نـارين كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

أنا مسافر كام يوم ورايا شغل مهم..
بصيت له بذهول
مسافر؟ والعيال؟
بص لي بمنتهى البساطة، وكأن الوصية خلاص اتنقلت لي
ما إنتي موجودة.. خدي بالك منهم.

الفصل الثاني شيلة تقيلة.. والبيت اللي اتهد
مرت الساعات الأولى بعد ما جمال مشي وسابني قدام البيت القديم كأنها سنين. وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، ريحة الشارع، صوت خناق الجيران البعيد، وصوت قفل عربية أبويا اللي لسه بيرن في ودني.. كل ده كان بيضغط على أعصابي. دخلت البيت تاني، وقفلت الباب ورايا بالترباس، وكأني بحاول أحبس الوجع بره. بقلم مني السيد 
لقيت ليلى قاعدة على الكنبة، حاطة راسها بين إيديها. أول ما شافتني، قامت وقفت بخجل وقالت
أنا عارفة إن اللي حصل كتير عليكي.. بس والله ما كان قدامي غيرك. تليفون بابا اتقفل، وأنا مكنش معايا جنيه واحد أجيب بيه عشا للعيال ولا أدفع مصاريف المستشفى لماما.
بصيت لها بنظرة فيها خذلان، مش منها، لكن من الراجل اللي شاركنا في الدم وسابنا نشيل الطين.
معاكي كام يا ليلى؟ سألتها وأنا بفتح شنطتي.
معاييش يا هالة.. الشغل في الصيدلية اللي بشتغل فيها يدوب بيكفي مواصلات وأكل يوم بيومه، وعملية ماما سحبت كل اللي ورايا واللي قدامي.
طلعت الفلوس اللي كانت معايا، والفيزا
اللي أبويا كان مدهالي عشان رفاهيتي. ضحكت بمرارة وأنا بفتكر إنه كان بيديلي الفلوس دي عشان يسكّت ضميره، أو يمكن عشان يشتري سكوتي لما الحقيقة تظهر.
بصي يا ليلى.. العيال دي ملهاش ذنب. أنا هقعد معاهم الليلة دي، وإنتي روحي المستشفى خليكي جنب مامتك، وطمنيني عليها.
نزلت ليلى وهي بتدعي لي بدعوات كانت بتخبط في قلبي وتوجعه. ليلة كاملة قضيتها في البيت ده.. بيت الضرة. كنت ببص في السقف وأنا بسأل نفسي يا ترى كان بيقعد هنا على الكنبة دي ويضحك معاهم زي ما كان بيعمل معانا؟ يا ترى كان بيحكي لهم عننا؟.
الولاد ناموا، والهدوء ساد، بس الهدوء ده كان مرعب. قمت اتمشيت في البيت، لقيت صورة صغيرة محطوطة في برواز مكسور ورا التليفزيون.. صورتي أنا وأمي وأبويا في حفلة تخرجي من الثانوي. قلبي اتنفض. هو كان واخد صورتنا هنا؟ كان بيوريها ليهم؟ ولّا كانت وسيلة يعذب بيها نفسه؟
المواجهة مع الأم
الصبح طلع، وروحت بيتنا.. بيتنا الأصلي. لقيت أمي قاعدة بتفطر، وشها هادي وجميل، الست اللي عاشت عمرها كله تخدمه وتصونه.
كنتي فين يا هالة؟ قلقتيني عليكي يا بنتي.. وأبوكي اتصل قال إنه سافر تبع الشغل فجأة.
بصيت لها بدموع محبوسة. كنت عايزة أصرخ وأقول لها يا أمي الراجل اللي بتدعي
له في صلاتك ده عنده بيت تاني وعيال تانية!. بس لساني اتلجم. الخوف على قلبها كان أكبر من غليان قلبي.
كنت عند صاحبتي يا ماما، تعبت فجأة ومكنش حد معاها.
قضيت اليوم في البيت زي الغريبة. كل ركن في بيتنا الشيك، الواسع، الهادي.. بقى بيحسسني بالذنب تجاه العيلة التانية اللي مش لاقية تاكل. وبقى بيحسسني بالرخص.. إن كل الدلع اللي عشته كان مبني على كدبة.
رجعت لبيت ليلى تاني يوم، ومعايا شنط أكل ولبس. ليلى رجعت من المستشفى، وشها كان أصفر زي الليمونة.
ماما ماتت يا هالة.
الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة. ليلى انهارت في حضني. البنت اللي في سني، اللي المفروض تكون بتفكر في دروسها ومستقبلها، لقت نفسها يتيمة الأم، وأبوها هربان، ومعاها طفلين رمان بلى.
في اللحظة دي، مكنتش هالة اللي بتغير من ضرتها، كنت هالة الإنسانة. نزلت خلصت إجراءات الدفن، ودفعت المصاريف، ووقفت في المدافن أخد العزا مع ليلى. مكنش فيه حد.. إحنا بس والعيال وصمت القبور.
الفصل الثالث القرار الأخير.. مفاجأة جمال
بعد أسبوع من العذاب، البيت الصغير بقى هو مكاني الأساسي. كنت بقسم وقتي بين أمي اللي بدأت تشك في غيابي الكتير، وبين إخواتي اللي ملهمش حد. ليلى كانت حالة من الانكسار، والعيال اتعلقوا
بيا بشكل مرعب. الصغير ياسين كان بينام في حضني وهو بيقول لي إنتي أحسن من بابا.. إنتي مبتسافريش وتسيبينا.
وفي يوم، الباب اتفتح.
دخل جمال.
كان لابس بدلة شيك، وريحته برفيوم غالي، وشايل شنط هدايا.
يا حبايب بابا! وحشتوني!
العيال جريوا عليه، بس ليلى وقفت مكانها زي الصنم، وأنا قمت وقفت والدم بيغلي في عروقي.
بص لي وابتسم ببرود
عارف إنك قدها يا هالة.. رفعتي راسي. ليلى حكت لي إنك وقفتي جنبهم في وفاة والدتها.. كتر خيرك يا بنتي، ده العشم برضه.
كتر خيري؟
صوتي طلع واطي بس مرعب.
إنت جاي دلوقتي توزع هدايا؟ إنت كنت فين والست دي بتموت؟ كنت فين وبنتك ليلى مش لاقية تمن الكفن؟ كنت فين وإنت سايبني أشيل شيلة مش شيلتي وأنا لسه بدرس؟
ضحك باستهزاء وهو بيقعد
يا بنتي الدنيا مشاغل.. وبعدين ما أنا كنت واثق فيكي. إنتي نسخة مني يا هالة، قوية وبتعرفي تتصرفي.
أنا مش نسخة منك! صرخت فيه.
أنا عمري ما هكون زيك. إنت بنيت حياتك على جثث القلوب اللي وثقت فيك. أمي اللي في البيت بتدعي لك، والست اللي ماتت هنا وهي بتستناك، وليلى اللي ضاع مستقبلها عشان تخدم عيالك. متوفرة على روايات و اقتباسات 
قام وقف وقرب مني، نبرة صوته اتغيرت وبقت حادة
اسمعي يا بت إنتي.. أنا
أبوكي، وكلمتي هي اللي تمشي. البيت
تم نسخ الرابط