اخويا مغترب بقلم الكاتبة اماني سيد
تتكسر عمرها ما ترجع زي الأول.
انخفض رأسه.
ثم قال
يعني خلاص؟
نظرت إليه طويلًا.
وقالت
أنا لسه ما أخدتش قراري.
وفي اليوم التالي حدث أمر لم يكن يتوقعه أحد.
إحسان نفسها جاءت إلى البيت.
وقفت أمام الباب تطلب مقابلة دعاء.
دخلت وهي متوترة على غير عادتها.
لا ثقة زائدة، ولا ابتسامات مستفزة.
جلست وقالت
أنا جاية أعتذر.
دعاء لم ترد.
فأكملت إحسان
أنا غلطت في حقك.
وعرفتي دلوقتي؟
انخفضت عيناها.
لما الراجل اللي كنت مخطوبة له عرف كل اللي حصل، فسخ الخطوبة.
ساد الصمت.
ثم قالت دعاء
يعني جاية تعتذري عشان خسرتي؟
لم تجد إحسان جوابًا.
وكان هذا الجواب في حد ذاته كافيًا.
بعد دقائق قامت وغادرت.
أما دعاء فشعرت أن صفحة كاملة من حياتها أغلقت أخيرًا.
وبعد عدة أشهر...
كانت تقف في افتتاح مشروع صغير باسمها.
مشروع بدأته بجزء من أموالها ومدخراتها.
حولها أولادها يضحكون.
وأخوها المغترب يقف بجانبها مبتسمًا.
أما منصور فكان يقف بعيدًا يراقب المشهد.
لم يعد الرجل الذي كان يظن أن السعادة في الهروب من المسؤولية.
ولم تعد دعاء المرأة التي تخاف من خسارة أي شخص.
تبادل الاثنان نظرة قصيرة.
ثم التفتت دعاء إلى أولادها وقالت
يلا يا حبايبي... عندنا شغل كتير.
ومشت للأمام.
هذه المرة لم تكن تهرب من الماضي...
بل كانت تمشي نحو مستقبل صنعته بيديها.
تمت القصة بعد افتتاح المشروع بشهور، بدأت حياة دعاء تستقر تدريجيًا.
الزبائن زادوا، والمشروع الصغير بقى معروف في المنطقة، وأولادها رجعوا يضحكوا بعد فترة طويلة من التوتر والمشاكل.
كانت لأول مرة منذ سنوات تحس أنها واقفة على أرض ثابتة.
وفي يوم من الأيام، وهي قاعدة في المحل، دخل عليها رجل كبير في السن.
بص حواليه بإعجاب وقال
صاحبة المكان مين؟
ابتسمت دعاء وقالت
أنا.
ناولها بطاقة وقال
أنا صاحب شركة توزيع، وسمعت عن شغلك. عندي عرض شراكة لو حابة.
لم تصدق نفسها.
الفرصة كانت أكبر مما تخيلت.
وفي نفس الوقت، كانت أحوال منصور تسوء يومًا بعد يوم.
العربية التي ضحى ببيته من أجلها تعطلت أكثر من مرة.
والعمل لم يعد كما كان.
وكثير من الناس الذين كانوا حوله وقت الرخاء اختفوا فجأة.
وفي إحدى الليالي، طرق باب بيت دعاء.
فتحت.
كان منصور.
لكن ليس منصور الذي عرفته من قبل.
كان يبدو أكبر من عمره بسنوات.
قال بهدوء
ممكن أتكلم مع الأولاد؟
سمحت له بالدخول.
جلس مع أولاده طويلًا، يضحك معهم ويحكي لهم قصصًا قديمة.
وعندما همَّ بالمغادرة، قال لدعاء
أنا مش جاي أطلب فرصة تانية.
نظرت إليه
فأكمل
أنا جاي أقولك حاجة واحدة... شكرًا.
استغربت.
شكرًا على إيه؟
ابتسم بحزن وقال
لأنك كنتِ أوفى إنسانة قابلتها في حياتي... وأنا ما عرفتش قيمتك إلا بعد ما خسرتك.
ثم غادر.
أغلقت دعاء الباب بهدوء.
لم تشعر بالانتصار.
ولم تشعر بالشماتة.
فقط شعرت أن الجرح الذي ظل مفتوحًا طويلًا بدأ يلتئم أخيرًا.
وبعد عام كامل...
وقفت دعاء في حفل صغير داخل مشروعها الذي أصبح أكبر بكثير مما كان.
حولها أولادها وأخوها وأصدقاؤها.
وكان الجميع يحتفل بنجاح جديد.
رفعت رأسها للسماء وقالت في نفسها
الحمد لله.
فأحيانًا لا تأتي العدالة بأن يعود من ظلمك معتذرًا.
بل تأتي عندما تكتشف أنك لم تعد تحتاج اعتذاره أصلًا.
النهاية. إذا أردنا الاستمرار في نفس الخط الدرامي
بعد انتهاء الحفل وانصراف الجميع، كانت دعاء ترتب المكان استعدادًا للإغلاق.
وفجأة دخل شاب في أواخر العشرينات.
قال باحترام
مدام دعاء؟
أيوه.
أنا ابن عم منصور.
استغربت.
خير؟
أخرج ظرفًا صغيرًا ووضعه أمامها.
عمي طلب مني أسلمهولك لو حصل له أي حاجة.
تجمدت ملامحها.
أي حاجة إيه؟
قال الشاب بقلق
منصور في المستشفى.
شعرت دعاء بصدمة مفاجئة.
مهما حدث بينهما، فهو أبو أولادها.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت بداخله
كان مكتوبًا فيه
دعاء...
لو بتقري الجواب ده، يبقى غالبًا أنا في ظرف صعب.
عارف إن كلمة آسف متأخرة جدًا، وعارف إنها مش هتمحي حاجة.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
العربية اللي كانت سبب خراب بيتنا بعتها من فترة، وحطيت نص الفلوس باسم الأولاد.
مش عشان أكفّر عن غلطتي، لأن الغلط أكبر من كده.
لكن عشان أحاول أصلح جزء صغير من اللي كسرته.
سامحيني لو تقدري.
ولو ماقدرتيش، فأنا متفهم.
أغلقت دعاء الخطاب وهي تشعر بثقل في قلبها.
لم تكن تعرف هل تغضب أم تحزن.
وفي اليوم التالي ذهبت مع أولادها لزيارته.
عندما رآهم، امتلأت عيناه بالدموع.
احتضن أولاده طويلًا.
أما دعاء فوقفت على مسافة.
ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال
شكراً إنك جيتي.
ردت بهدوء
جيت عشان الأولاد.
هز رأسه متفهمًا.
ثم نظر إلى أبنائه وقال
أهم حاجة في الدنيا إن الإنسان ما يضيعش الناس اللي حبوه بصدق.
ساد الصمت للحظات.
ثم أمسك ابنه الصغير بيده وقال
بابا... ارجع البيت.
اختنق صوت منصور، ولم يستطع الرد.
أما دعاء فنظرت إلى ابنها، ثم إلى منصور.
وأدركت أن بعض القصص لا تنتهي بانتصار طرف وهزيمة طرف آخر.
بل تنتهي عندما يتعلم الجميع ثمن القرارات التي اتخذوها.
ومن هنا بدأت صفحة جديدة