اخويا مغترب بقلم الكاتبة اماني سيد

لمحة نيوز


ظرف قديم من شنطتها.
وقالت
قبل ما تتجوزيه كنت مخطوباله سنة ونص.
فتحت الظرف وأخرجت صوراً ورسائل قديمة.
كانت كلها تثبت كلامها.
سألتها دعاء
وإيه اللي حصل؟
تنهدت سمر وقالت
اللي بيحصل معاكي دلوقتي... حصل معايا زمان.
اتسعت عينا دعاء.
يعني إيه؟
يعني أيام خطوبتنا كان فيه بنت تانية في حياته برضه. وكل ما أواجهه ينكر ويقلبني أنا الغلطانة.
شعرت دعاء بأن أجزاء كثيرة بدأت تترتب في عقلها.
لكن سمر أكملت
المشكلة مش هنا.
أمال فين؟
قالت بصوت منخفض
المشكلة إن البنت دي كانت... إحسان.
شهقت دعاء بقوة.
مستحيل!
والله العظيم الحقيقة.
وبدأت سمر تحكي.
منصور وإحسان كانت بينهما علاقة قديمة منذ سنوات.
لكن أهلهم رفضوا ارتباطهم وقتها لأسباب عائلية.
فتزوج منصور من دعاء بعد ذلك بمدة.
لكن العلاقة لم تنتهِ بالكامل.
قالت سمر
كل ما يدخل علاقة أو خطوبة كان بيرجع لها تاني.
وإحسان كانت موافقة؟
مش بس موافقة... كانت مستنية.
شعرت دعاء بغصة في حلقها.
كل السنوات التي عاشتها معه بدأت تظهر لها بشكل مختلف.
ثم أخرجت سمر ورقة أخرى.
وقالت
فيه حاجة أخطر.
تناولت دعاء الورقة بيد مرتعشة.
كانت نسخة من عقد قرض قديم.
ده إيه؟
قرض أخده منصور من كام سنة ولسه عليه جزء كبير.
بس هو عمره ما قالي!
لأنه كان مخبيه.
هنا بدأت دعاء تفهم سبب اللهث المستمر وراء المال، ولماذا كان يضغط عليها دائماً في موضوع الذهب والجمعيات.
بعد ساعات من الحديث عادت للبيت وهي تحمل مزيجاً من الغضب والحزن.
لكن أول ما وصلت، فوجئت بمنصور جالس في الصالة.
كان شكله مرهقاً ومتوتراً.
رفع رأسه وقال
كنت فين؟
نظرت إليه طويلاً.
لأول مرة لم تشعر بالخوف منه.
جلست أمامه وقالت
كنت بقابل حد يعرفك كويس قوي.
ارتبك.
مين؟
سمر.
اختفى اللون من وجهه فوراً.
وعرفت دعاء أنها أصابت الهدف مباشرة.
لكن قبل أن يتكلم، سُمع طرق شديد على باب الشقة.
نظر الاثنان لبعضهما باستغراب.
فتح منصور الباب.
فوجد أمامه

ثلاثة رجال يسألون عنه بالاسم.
وقال أحدهم بجدية
أستاذ منصور؟ حضرتك مطلوب بخصوص بلاغ مالي مقدم ضدك.
تجمد في مكانه.
أما دعاء فشعرت أن الحقيقة الكاملة ما زالت أبعد وأخطر مما تخيلت...
يتبع وقف منصور قدام الباب، ووشه شاحب كأن الدم انسحب منه مرة واحدة.
سأل بصوت متقطع
بلاغ إيه؟
رد الرجل
حضرتك هتعرف التفاصيل في القسم، لكن فيه مستندات وشكاوى مالية مقدمة ضدك.
حاول منصور يتمالك نفسه وقال
أكيد فيه غلط.
لكن الرجال كانوا واضح عليهم إنهم جايين وهم عارفين شغلهم.
في اللحظة دي كانت دعاء واقفة بعيد تراقب المشهد.
لأول مرة منذ شهور شعرت أن الستار بدأ يتفتح عن أشياء كانت مخفية.
غادر منصور معهم بعد وقت قصير.
أما هي فجلست وحدها تفكر.
لكن المفاجأة جاءت بعد ساعات.
رن هاتفها.
كان رقمًا غريبًا.
ردت بحذر.
جاءها صوت رجل كبير في السن
حضرتك مدام دعاء؟
أيوه.
أنا صاحب معرض السيارات اللي اشترى منه منصور العربية.
دق قلبها بقوة.
خير؟
قال الرجل
أنا عرفت اللي حصل النهارده، وفيه حاجة لازم تعرفيها.
شعرت بالتوتر.
إيه هي؟
العربية ما كانتش أول عربية يشتريها منصور.
عقدت حاجبيها.
يعني إيه؟
يعني قبل العربية دي كان عامل اتفاق تاني ودافع مقدم في عربية مختلفة.
إمتى؟
قبل ما يبيع دهبك بشهور.
شعرت دعاء وكأن الأرض تميد تحتها.
ومنين جاب الفلوس؟
سكت الرجل قليلاً ثم قال
ده السؤال اللي لازم تسأليه له.
أغلقت المكالمة وهي في حالة ذهول.
منصور كان يخدعها منذ وقت طويل.
وفي اليوم التالي عاد إلى البيت.
كان منهكًا ومتوترًا.
أول ما دخل وجد دعاء تنتظره.
قال بعصبية
انتي عرفتي إيه؟
ردت بهدوء
أنا عرفت كتير... ولسه هعرف أكتر.
ثم وضعت أمامه صورة قديمة حصلت عليها من سمر.
الصورة كانت لمنصور وإحسان منذ سنوات.
نظر إليها وتجمد.
قالت
كنتوا على علاقة قبل جوازنا؟
لم يجب.
وكان صمته هذه المرة أوضح من أي اعتراف.
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت
يعني أنا كنت مجرد حل
مؤقت؟
رفع رأسه أخيرًا وقال
الأمور كانت معقدة.
ابتسمت بسخرية مؤلمة.
لا... الأمور كانت واضحة. أنت كنت عايز حد يشيل المسؤولية ويقف جنبك، ولما حسيت إنك وقفت على رجليك رجعت تدور على اللي نفسك فيها.
سكت منصور.
ولأول مرة لم يجد حجة واحدة يقولها.
لكن بينما كان الصمت يملأ المكان، وصل إشعار جديد على هاتف دعاء.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
فوجدت صورة حديثة جدًا لإحسان.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت تقف بجوار رجل آخر، واضعة يدها في يده.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
لو كنتِ فاكرة إن إحسان مستنية منصور، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة...
وهنا شعرت دعاء أن القصة كلها قد تكون مختلفة عما ظنت.
يتبع...أعادت دعاء النظر إلى الصورة أكثر من مرة.
إحسان كانت واقفة بجوار رجل أنيق، وفي ملامحها نفس الابتسامة التي كانت تظهر بها في الصور مع منصور.
شعرت بحيرة شديدة.
إذا كانت تحب منصور فعلًا، فمن هذا الرجل؟
ردت على الرقم المجهول فورًا
مين حضرتك؟
بعد دقائق وصلها رد
شخص يعرف الحقيقة... ولو عايزة تعرفيها، اقابليني بكرة الساعة ٥.
في البداية ترددت.
لكن الفضول كان أقوى.
في اليوم التالي ذهبت إلى المكان المحدد.
تفاجأت بأن الشخص لم يكن غريبًا تمامًا.
كان زوج خالة إحسان.
جلس أمامها وقال
أنا جيت لأن اللي بيحصل ظلم للجميع.
سألته دعاء بسرعة
مين الراجل اللي في الصورة؟
تنهد وقال
ده رجل أعمال متقدم لإحسان من شهور.
اتسعت عينا دعاء.
متقدم لها؟!
أيوه.
ومنصور؟
هز رأسه بأسف.
منصور بالنسبة لها كان وسيلة، مش أكثر.
شعرت دعاء وكأنها تسمع شيئًا لا يصدق.
أكمل الرجل
طول الفترة اللي فاتت كانت بتستمتع باهتمامه وصرفه عليها وخروجاته معاها، لكن عمرها ما كانت ناوية ترتبط بيه بجد.
مستحيل.
الحقيقة أحيانًا بتكون أقسى من الخيال.
ثم أخرج هاتفه وعرض عليها بعض الرسائل.
لم تقرأها كاملة، لكن مضمونها كان واضحًا
إحسان كانت تتحدث مع صديقتها عن منصور وكأنه شخص ينفق
عليها فقط، بينما كانت تخطط للزواج من الرجل الآخر لأنه أغنى وأكثر استقرارًا.
شعرت دعاء بمزيج غريب من الألم والشفقة.
ليس على إحسان...
بل على منصور نفسه.
الرجل الذي دمر بيته وزوجته وأولاده، كان يركض خلف وهم.
وفي المساء عاد منصور إلى البيت.
كان يبدو أكثر إرهاقًا من أي وقت مضى.
جلست دعاء أمامه وقالت
عندي سؤال واحد.
رفع رأسه.
إيه هو؟
وضعت الصورة أمامه.
تعرف الراجل ده؟
أخذ الصورة.
وما إن رآها حتى تغير وجهه.
ثم همس
لا...
لكن دعاء عرفت من عينيه أنه يكذب.
قالت بهدوء
ده متقدم لإحسان.
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة جدًا.
ثم جلس منصور وكأنه فقد كل قوته دفعة واحدة.
مين قالك؟
مش مهم.
نظر إلى الأرض.
ولأول مرة منذ بداية كل ما حدث، ظهر عليه الانكسار.
قال بصوت خافت
كنت عارف.
نظرت إليه بدهشة.
كنت عارف؟!
أومأ برأسه.
من شهر تقريبًا.
ومع ذلك استمريت؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
كنت بكذب على نفسي.
في تلك اللحظة أدركت دعاء شيئًا مهمًا
منصور لم يخسر زوجته فقط.
ولم يخسر سمعته فقط.
بل خسر احترامه لنفسه أيضًا.
أما دعاء، فبدأت تفكر لأول مرة منذ شهور في مستقبلها هي وأولادها بعيدًا عن كل هذا الخراب.
وهنا بدأت قصة جديدة... ليست عن خيانة منصور أو ألعاب إحسان، بل عن القرار الذي ستتخذه دعاء لتعيد بناء حياتها من جديد مرّت أيام قليلة، والبيت أصبح غريبًا.
منصور موجود بجسده فقط، أما روحه فكانت تائهة بين ندم متأخر وواقع صنعه بنفسه.
أما دعاء، فكانت تنظر لأولادها كل ليلة وتسأل نفسها سؤالًا واحدًا
أكمل كده؟ ولا أبدأ حياة جديدة؟
وفي أحد الأيام، بينما كانت ترتب أوراقها، وجدت دفترًا قديمًا كانت تسجل فيه كل جمعية قبضتها وكل قطعة ذهب اشترتها.
قلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى.
تذكرت كيف كانت توفر من مصروفها.
كيف كانت تحرم نفسها أحيانًا من أشياء تحبها.
كيف كانت تحاول أن تؤمّن مستقبل أولادها.
وفجأة أدركت شيئًا مهمًا
كل ما بنته لم يكن بسبب منصور.

بل بسبب تعبها هي.
في المساء، جلس منصور أمامها وقال
عايز أتكلم.
رفعت عينيها نحوه.
اتفضل.
قال بصوت مكسور
أنا غلطت.
سكتت.
وغلطت غلطة كبيرة.
ظلت صامتة.
ومستعد أصلح أي حاجة.
أجابته بهدوء
في حاجات بتتصلح يا منصور... وفي حاجات لما
 

تم نسخ الرابط