حِسبـة مَغلوطـة ج 1 حكـايات إنجـي الخطيـب

لمحة نيوز

طلعت على طول على المحامي الأستاذ عبد العزيز، راجل شاطر من دهاقنة القانون في وسط البلد، وشه كله هيبة وعينيه بتقرأ اللي بين السطور.
قعدت قدامه في المكتب الصغير المليان بملفات صفراء، وحكت له الحكاية من طقطق للسلام عليكم، وصوتها كان ثابت بس إيديها كانت بترتعش من غير ما تقصد.
الأستاذ عبد العزيز سمعها للاخر وهو بيعدل نظارته القراءة، وسند ضهره لورا وقال بنبرة هادية بصي يا مدام هنا.. جوزك واضح إنه مش شغال من دماغه، دي تخطيط ناس فاهمة ثغرات القانون كويس. مسألة إنه ينقل الشقة باسم أمه بعقد بيع أو تنازل، وهو معاه توكيل منك أو خلى المحرر يظبط الإمضاءات، دي فيها شق جنائي اسمه تزوير، بس إثباته بياخد وقت في المحاكم وأبحاث التزييف والتزوير.
يعني إيه يا متر؟ هنا صرخت بلهفة. يعني شقا عمري راح؟ يعني الشقة والفلوس خلاص بقوا ملك الحاجة اعتماد وبنتها؟
أنا مقلتش كده، الست المستشار ابتسم ابتسامة ثقة كأن في جيبه مفتاح السر. القانون زي ما فيه ثغرات للمجرمين، فيه أبواب للحق. مصطفى عمل اللعبة دي عشان يخليكي تطلبي الطلاق خلع فتنازلي عن حقوقك، أو يطلقك غيابي ويرميكي برة. بس هو غبي في حاجة.. الفلوس اللي سحبها من الدفتر المشترك، سحبها إزاي؟
أنا افتكرت إنه خلاني أمضي على ورق من أسبوعين قال لي إنه تبع الشغل وضمان، أكيد كان وسطهم تفويض بالسحب أو تنازل عن الرصيد، هنا قالتها بحسرة.
تمام.. دا يثبت التدليس والنصب، المحامي وقف وفتح درج مكتبه
وطلع أجندة. إحنا مش هنلعب في المضمون بتاعهم.. هما مستنيين منك عياط وخناق ومحاضر طرد وبكاء على اللبن المسكوب. إحنا هنلعب لعبة النَفَس الطويل. أول خطوة، الشقة دي أنتِ قاعدة فيها وحاضنة لابنك كريم، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطرد ست حاضنة من شقة الزوجية حتى لو بقت باسم وزير الدفاع! القانون بيحميكي كأم حاضنة.
كلام المحامي نزل على قلب هنا زي المية الساقعة، بدأت تفهم إن الحرب مش خناقة في الصالة، دي حرب نفس ورق وقانون.
رجعت هنا البيت، ولقت المفاجأة الكبيرة مستنياها.
الحاجة اعتماد قاعدة في الصالون، حاطة رجليها على الترابيزة الإستيل، وبتشرب قهوتها وبتبص في الشقة كأنها بتُعاين ممتلكاتها الجديدة. ومعاها بنتها شيرين اخت مصطفى، اللي كانت بتفتح الدواليب وتتفرج على الحاجه بقلة ذوق.
أهلاً يا لوزة، الحاجة اعتماد قالتها بنبرة تملأها الشماتة والتكبر. نورتي بيتك القديم.. جيتي في وقتك عشان تلمي هدومك وعفشك اللي جايباه من بيت أبوكي، لأن الشقة دي خلاص، ورقها اتسجل في الشهر العقاري باسمي، وبنتي شيرين أولى بجهازها من القعدة في الإيجار.
شيرين ضحكت بصفار وقالت معلش يا هنا.. يا حبيبتي، النصيب كده، وكل واحد بياخد رزقه. مصطفى كتر خيره، شال حمْل كبير من عليا في جهازي، والفلوس اللي في الدفتر دي هي اللي هتجيب لي غسالة وتلاجة زيرو.
هنا وقفت في نص الصالة، حطت شنطتها على الكومودينو بكل هدوء. ملامحها مكنش فيها أي خوف أو انكسار، بالعكس،
كانت باردة لدرجة رعبت الحاجة اعتماد شوية.
بصت لهم هنا وقالت بابتسامة غامضة تنوروا يا جماعة، الشقة شقتكم والبيت بيتكم.. بس إحنا لسه في أول الشتا، والدنيا بره مطر، وأنا مش هسيب بيتي دلوقتي. القعدة هنا لسه مطولة، أصل الأستاذ مصطفى نسى يقولكم إن الست الحاضنة بتقعد في الشقة بقوة القانون لحد ما كريم يتم ١٥ سنة.. يعني قدامنا مع بعض حوالي تمان سنين يا حاجة اعتماد.. تحبي أعملك شاي معايا ولا هتفضلي قاعدة على الكنبة دي كتير؟
وش الحاجة اعتماد اتقلب ميت لون، وبصت لبنتها بصدمة. حاضنة إيه وشاي إيه يا بت أنتِ؟ الشقة باسمي أنا! أبيعها.. أجرها.. أولع فيها، أنتِ مالك؟
كلمي المحامي بتاعكم يا حاجة وهو يفهمك يعني إيه تمكين من شقة الزوجية بصفة حاضنة، هنا سابتهم ودخلت المطبخ تعمل قهوة لنفسها، وسابتهم في الصالة يضربوا أخماس في أسداس.
ساعة زمن ومصطفى جه جري على البيت بعد ما أمه كلمته وهي بتصوت في التليفون. دخل البيت وعينيه بتطلع شرار، لقى هنا قاعدة في المطبخ بتشرب قهوتها وبتقرأ كتاب لكريم.
أنتِ بتلعبني يا هنا؟ مصطفى زعق وهو بيخبط على الرخام. فاكرة نفسك ذكية؟ والنعمة ل أرميكي في الشارع أنتِ وابنك ومخليش ليكي لقمة في البلد دي!
هنا رفعت عينيها ببطء، وبصت له بنظرة خلت ركبه تسيب. ابني هو ابنك يا مصطفى.. اللي أنت عايز ترميه في الشارع ده هو لحمك ودمك اللي أمك أقنعتك إنك بتأمن مستقبله ضد الغريبة. الغريبة دي هي اللي كانت بتشتغل ١٢ ساعة
وترجع تطبخ وتغسل وتذاكر له عشان أنت تترقى في مصنعك. الفلوس والشقة؟ مبروكين على الحاجة اعتماد وشيرين.. بس الحساب لسه مفتحش يا هندسة.
حساب إيه يا أم حساب؟ مصطفى قالها بسخرية بس كان جواه قلق.
حساب الشركة الكبيرة اللي أنت شغال فيها، هنا قالتها وهي بتقدم له موبايلها. أنت نسيت إن شركتنا للشحن هي اللي بتورد المواد الخام للمصنع بتاعكم؟ ونسيت إن رئيس مجلس إدارة شركتكم يبقى ابن خالة مديري في الشغل؟ أنت لعبت في بيتي وشقايا.. وأنا هلعب في لقمة عيشك ومستقبلك المهني كله. والورق اللي أنت زورت فيه إمضائي عشان تسحب الفلوس؟ الدفتر كان فيه ميزة
الإشعار بالموبايل.. وكل قرش سحبته جالي بيه رسالة بالوقت والتاريخ.. ومكتب الخبراء هيقول كلمته في الإمضاء المزور يا مصطفى.
مصطفى حس فجأة إن الأرض بتهتز تحت رجليه. الخطة اللي رسمتها أمه كانت مبنية على أساس إن هنا ست غلبانة هتستسلم وتبكي وتطلب رضاهم عشان متطلقش، مكنوش يعرفوا إنهم صحوا جواها وحش مبيسبش حقه.
الحاجة اعتماد طلعت من الصالة بتجر رجليها وقالت بخوف في إيه يا مصطفى؟ البت دي بتقول إيه؟ مش أنت قلت لي كل حاجة متأمنة والورق سليم؟
مصطفى مبقاش عارف يرد، بص لهنا اللي قامت من على الكرسي بكل شموخ، ودخلت أوضتها وقفت الباب، وسابتهم في وسط الصالة، والوجع والخوف بدأ يتسرب لقلوبهم بدل الشماتة.
الحرب لسه بادية.. والنَفَس طويل.. والقرش الأبيض اللي افتكروه بقا في جيب شيرين، شكله هيتحول ليوم
أسود على دماغ الكل.

تم نسخ الرابط