حماتي وسر الاكل حكايات انجى الخطيب
من الجوع والعياط.
في يوم، كنت راجع من الشغل العصر، شايل في إيدي شنط فاكهة وحاجات حلوة لآية. فتحت الباب براحة كالعادة، وشميت ريحة أكل تجنن.. ريحة تقلية ملوخية وفراخ محمرة في السمنة البلدي.
دخلت المطبخ، لقيت آية واقفة بتغرف الأكل، ولابسة عباية نظيفة ومسرحة شعرها، ومروان نايم في سريره الصغير في الصالة جمبها.
الله الله.. إيه الروائح اللي تفتح النفس دي يا أم مروان؟
لفت وبصتلي والابتسامة مالية وشها
حمد الله على سلامتك يا حبيبي. أهو، عملتلك الأكلة اللي بتحبها، الشوربة النهاردة طالعة زي العسل.
حطيت الحاجه من إيدي وقربت منها، بوست راسها وقلت
تسلم إيدك وعينك يا غالية.. ربنا ما يحرمني منك ولا من لقمة بتعمليها.
قعدنا ناكل وإحنا بنضحك وبنتكلم في مستقبل الواد، وعن الديون اللي بدأت تتدبر واحدة واحدة بعد ما وفرنا فلوس الدهب والمصاريف الوهمية اللي كانت بتتشفط مننا. وفجأة، التليفون الأرضي رن.
بصينا لبعض.. التليفون الأرضي م بيرنش غير لما يكون فيه حاجه مهمة، لأن الموبايل بتاعي لسة مقفول في وش أي حد من طرف أمي.
قمت رديت
ألو.. السلام عليكم.
جالي صوت منى أختي، بس المرة دي مكنش فيه غل ولا زعيق، صوتها كان هادي ومكسور
رامي.. إزيك يا ابني؟ عامل إيه وأختك وآية والواد؟
الحمد لله يا منى، في فضل ونعمة من رب العالمين. خير؟
تنهدت منى وقالت بصوت واطي
أمك يا رامي.. من ساعة ما جت عندي وهي قافلة على نفسها الأوضة. في الأول كانت بتدعي وتزعق، بس لما واجهتها بكلامك، وشافتني بفتش في شنطتها ولقيت علبة قطيفة فيها غوايش وسلاسل دهب جديدة بدمغات الشهر اللي فات.. انكسرت ومبقتش تنطق.
سكتت شوية ومردتش، فكملت منى
هي تعبانة يا رامي، وضغطها عالي، وبتقولي قولي لرامي يسامحني.. أنا كنت فاكرة إني بأمن مستقبله وبشيل قرشه للزمن، مكنتش فاكرة إن الواد هيموت في إيديها. هي عايزة تشوفك يا ابني.. أو على الأقل تسمع صوتك.
بصيت لآية اللي كانت قاعدة بتسمعني، وعينيها جت في عيني. آية حست بالكلام من نبرة صوتي، وهزت راسها براحة.. كأنها بتقولي دي أمك مهما كان، متقساش عليها.
أخدت نفس طويل، وقلت لمنى
يا منى، أنا مش جاحد، وأمي هيفضل ليها حق البر عليا. مصاريفها وعلاجها هيوصلولها أول كل شهر زي ما وعدت، ولو تعبت كلميني هنيجي نوديها لأحسن دكاترة.. بس رجوعها هنا لاء. بيتي ده اتهد وانخرب بسببها، وأنا صدقت وكنت هخسر مراتي وابني بسبب طيبتي وعمايا. أنا مسامحها بيني وبين ربنا عشان خاطر الآخرة، بس الأيام اللي عشناها في رعب مش هتتمسح بسهولة. سيبيها تهدى، والوقت
قفلت السكة، والتفت لآية. لقيتها قامت وقفت جمبي، حطت إيدها على كتفي وقالت
أنت صح يا رامي.. ربنا يخليك لينا ويجعلك دايماً سندنا.
ويخليكي ليا يا قلب رامي.
أخدتها في حضني، وبصينا سوا على مروان اللي كان بدأ يفتح عينه ويبص لنا ويناغي بصوته الملائكي الصغير. في اللحظة دي عرفت إن الراجل مش بس اللي بيجيب فلوس وشقيان برة، الراجل هو اللي بيعرف يحمي حيطان بيته، ويكون النور اللي بيقشع الظلمة حتى لو كانت الظلمة دي جاية من أقرب الناس ليه. دفنا الماضي ورا ضهرنا، وبدأنا نكتب من جديد قصة بيتنا.. بيت مبني على الأمان، والشبع، والأصول.
حكايات انجي الخطيب
وبالفعل، من اليوم ده، قفلنا كتاب الوجع وفتحنا صفحة جديدة خالص.
مرت الشهور، ومروان كبر وبقى يملى البيت بضحكته ولعبه، وبقى يجري في الصالة ويمسك في رجلي وأنا راجع من الشغل. وآية رجعت آية بتاعة زمان.. الست الجميلة، الواثقة في نفسها، اللي شايلة بيتها وجوزها في عينيها. الديون اللي كانت خانقاني ربنا فرجها وسددتها بالقرش، والبركة دخلت بيتنا من وسع لأن النية كانت صافية والأمان بقى هو الأساس.
أمي فضل وضعها زي ما هو؛ ببعتلها مصاريفها وأكلها وعلاجها لحد عندها وزيادة،
وفي ليلة من ليالي الشتا، كنا قاعدين أنا وآية في الصالة، ومروان نايم في حضنها بعد ما شبع ولعب لحد ما هبط. بصيت لوشها الرايق، ولقيتها بتبتسم لي وهي بتمسد على راس الواد.
قربت منها وبست راسها وقلت
عارفة يا آية؟ أنا كل ما بفتكر اليوم اللي رجعت فيه بدري، بحمد ربنا ميت مرة.. بحس إن ربنا بعتلي النور ده في المكتب وعطل الشغل عشان ينقذني وينقذ بيتي قبل ما يتهد على دماغنا.
آية اتنهدت تنهيدة دافية، وبصتلي بعيون مليانة رضا وقالت
واليوم ده يا رامي، أنا مبقتش بفتكره بوجع.. أنا بفتكره على إنه اليوم اللي اتولدت فيه من جديد، اليوم اللي عرفت فيه إن جوزي راجل بجد، بيعرف يشوف الحق وينصره حتى لو على حساب نفسه.
ابتسمت وأخدتها هي وابني في حضني، والبيت كله كان دافي وهادي. وفي اللحظة دي اتأكدت، إن البيوت مابتتبنيش بالفلوس ولا بالحيطان الخرسانة.. البيوت بتبنيها الرحمة، وبيحميها الأمان، وطالما الراجل صاحي وفاتح عينه لبيته، عمر ما في وحش هيقدر يدخل يسرق لقمته ولا يكسر فرحته. ودي كانت نهايتنا.. نهاية الكابوس، وبداية الحياة اللي
تمت
حكايات انجى الخطيب