حماتي وسر الاكل حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

بالعافية.
الريحة لفتت دماغي وقرفتني قبل ما عيني تشوف اللي فيه.
كان رز بايت من أيام، ومحجر وملزق في بعضه. وشوية طبيخ صايع مية والدهن الساقع عايم على الوش. وحتت لحمة غامقة، مايلة للرمادي، ريحتها حمضانة ومزرنخة. وفي قعر الطبق عضم متفصص، وراس سمكة ناشفة، وحتت زبالة أكل ميتشحتش لكلب، مش يتقدم لست لسه والدة ومقومة روح تانية من جسمها.
المعدة قلبت وحسيت إني هتموع.
إيه القرف ده؟
آية انفجرت في العياط والشهوقة.
مشان ربنا مكنش تقول لأمك.
جسمي كله سقع ودمي هرب من عروقي.
إيه؟
وقعت على ركبها تحت رجلي، وكأنها هي اللي عاملة الجريمة وغلطانة.
أرجوك يا رامي. متبينلهاش إنك شفتني وأنا باكل ده. هتزعل مني وتعملي مشكلة.
بصيت للطبق.
وبعدين بصيت ليها.
جلدة على عضم. دبلانة. بتترعش زي القصبة.
مراتي.
أم ابني.
آية، قلتلها وصوتي مخنوق وطالع بالعافية، هو ده الأكل اللي كنتِ بتأكليه طول الأيام اللي فاتت؟
حطت إيدها على وشها وخبت نفسها.
وساعتها، سكوتها جاوبني وقطع الشك باليقين قبل ما تنطق بكلمة واحدة....
سكتت ومردتش، بس جسمها كله كان بيتنفض وشهقاتها طالعة من حتة غريقة جوة روحها. في اللحظة دي، سمعت صوت رقعة قبقاب أمي في الطرقة، صوت حفظته من صغري وكان دايماً بيديني أمان، بس النهاردة كان صوته زي دقات ساعة الإعدام.
أمي دخلت المطبخ وهي شايلة في إيدها كيس بلاستيك، وأول ما شافتني اتفاجئت، بس ملامحها اتغيرت بسرعة ورجعت لوشها الصارم اللئيم. بصت لآية اللي كانت لسة واقعة على الأرض، وبعدين بصت للطبق اللي في إيدي.
رامي! إيه اللي جابك بدري يا ابني؟ والنور قطع عندكوا ولا إيه؟ وبعدين إيه اللي موقفك كده؟
سيب الطبق ده من إيدك، دي زبالة كنت هرميها للقطط في الشارع.
أنا كنت حاسس إن لساني مربوط، وعيني بتلف في المطبخ. بصيت على البوتاجاز، لقيت حلة فيها شوربة فراخ بلدي ريحتها تقلب الدماغ، وصينية بشاميل لسة سخنة.
الزبالة دي مراتي كانت بتاكلها يا أمي. آية كانت بتاكل عضم وسمك حمضان.
أمي ضحكت ضحكة صفرا، وتقدمت خطوتين بكل برود، وشدت الكيس من إيدها وحطته على الترابيزة.
يوه يا رامي! أنت هتصدق المسهوكة دي؟ دي هي اللي غاوية قرف ونكوشية. أنا بعملها لقمة خفيفة عشان بطنها بعد الولادة، والشوربة دي كنت شايلاها لك أنت لما ترجع تعبان من الشغل. الست من دول تولد من هنا وعايزة تبرطع في الأكل وتخلص على مصروف البيت في أسبوعين. أنا بوفرلك قرشك يا حبة عيني.
في اللحظة دي، آية رفعت راسها، والدموع كانت حفرت خطوط في وشها الدبلان، وبصوت مبحوح ومكسور بس طالع بمرارة السنين كلها قالت
بتوفري إيه يا حماتي؟ حرام عليكي.. ده أنا كنت بقوم نص الليل من جوعي أشرب مية من الحنفية عشان بطني بتتقطع، واللبن ينشف في صدري والواد يموت من الصريخ. كنتِ بتدخلي الأكل كله أوضتك وتقفلي عليكي بالمفتاح، وتقوليلي مالكيش غير طبق الرز البايت ده عشان تخسي وتتحركي. الفلوس اللي رامي بيجيبهالك كنتِ بتنزلي تشتري بيها دهب وتخبيه في دولابك!
كلام آية نزل عليا زي مية نار بتكوي نفوخي. بصت لأمي اللي وشها اتقلب ميت لون، وعينها الغدارة بدأت تبرق بغل.
جرى إيه يا بت يا خطافة الرجالة؟ أنتِ هتتبلي عليا في بيتي وقدام ابني اللي ربيته وكبرته؟ بقى أنا شريفة أعمل كده؟ دنا كنت بقوم أغسلك هدومك الميتة بدمها. يا رامي، دي بتتمسكن عشان توقع
بيني وبينك، دي حية!
أنا صرخت بعلو صوتي، صرخة طلعت من جحيم كان قايد جوة صدري، صرخة هزت حيطان الشقة
بسسسسسس! كفاية كدب بقى.. كفاية!
رميت الطبق في الأرض، اتهبد واتفشخ ميت حتة، والأكل المعفن اتبعثر على البلاط. مروان صحي جوة في الأوضة وبدأ يصرخ، صريحه المرادي مكنش بيعصبني، كان بيقطع في قلبي زي السكاكين.
نزلت على ركبي قدام آية، مسكت إيديها التلج دي وبستها، ودموعي أنا اللي نزلت لأول مرة من سنين على إيدها.
سامحيني يا آية.. أنا حمار.. أنا ندل وعمري ما كنت راجل معاكي. سامحيني يا بنتي.
آية سحبت إيدها براحة وهي بتبكي بنشيج يقطع القلب، وقامت وهي ساندة على الحيطة، دخلت الأوضة وجابت مروان اللي كان وشه أزرق من العياط، ولمت كام حتة من هدومها وهدومه في شنتة قماش قديمة.
أمي وقفت في الطرقة وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة تشفي
غوري في داهية، الباب يفوت جمل، تروحي لبيت أبوكي الجعانين يشوفوا مين هيأكلك هناك. سيبها تغور يا رامي، دي متستاهلكش.
لفيت لأمي، وبصيت في عينها، ومكنتش شايف الأم اللي بحبها، كنت شايف وحش حقيقي، كائن معندوش ذرة رحمة.
اللي هيغور من البيت ده هو أنتِ يا أمي.
أمي اتصدمت وفكت إيدها، ووشها اتشنج
أنت بتطرد أمك عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟ بتبيع اللي شالتك تسع شهور؟
أنتِ اللي بعتينا يا أمي.. بعتي ابني اللي كان هيموت من الجوع، وبعتي مراتي اللي أمنتك عليها. الفلوس اللي كنت بديهالك تشتري بيها لقمة لآية تروحي تجيبي بيها دهب وتجوعي أم ابننا؟ اطلعي برة يا أمي.. اطلعي برة ومشورينيش وشك تاني لحد ما أموت.
أمي لمت حاجتها وهي بتدعي عليا وتسب، وقبل ما تقفل الباب وراها بصتلي
بنظرة غل وقالت هتجيلي راكع يا رامي. الباب اترزع، والبيت رجع صامت تاني.
دخلت الأوضة لآية، كانت قاعدة على السرير حاضنة الواد وبتعيط. قعدت جمبها، أخدت علبة اللبن الصناعي اللي اشتريتها، ودخلت المطبخ عملت ببرونة دافية بسرعة وجيت. أخدت مروان في حضني، وحطيت الببرونة في بوقه. الواد بدأ يمص بلهفة وجوع غريب، وهدي، وصوته سكت لأول مرة من خمستاشر يوم.
بصيت لآية وقلت والدموع في عيني
أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي يا آية.. أنا عارف إن الجرح كبير، بس وحياة تراب أبويا، من النهاردة مش هخلي مخلوق يلمس شعرة منك، وحقك وحق ابننا هيرجعلك تالت ومتلت، بس ارجعيلي.. ارجعي لرامي اللي بيحبك.
آية بصت للواد وهو نايم في حضني شبعان، وبعدين بصتلي وعينيها لسة مكسورة، بس كان فيها حتة أمل صغيرة.. أمل إن البيوت تتبني تاني بعد ما اتهدت.
آية مدت إيدها بالراحة ولمست راس مروان وهو نايم في حضني، نفس الخوف القديم لسة مالي عينيها، بس المرة دي كان مخلوط بذهول.. كأنها مش مصدقة إن الكابوس خلص، أو خايفة تصدق فالوهم يطير.
سحبت الشنتة القماش اللي لمت فيها هدومها، وحطتها في الأرض جمب السرير. بصتلي وقالت بصوت واطي ومشرخ كأنه طالع من شق في حيطة
أنا مش قادرة أصدق يا رامي.. مش قادرة أصدق إنك شفتني وأنا باكل القرف ده ونصرتني. أنا كنت بموت في البيت ده كل يوم مية مرة، والوجع الأكبر مكنش جوعي.. الوجع الأكبر كان كلامك أنت ليا الصبح، لما قلتلي أنتِ أنهي نوع من الأمهات؟ الكلمة دي كانت بتدبحني وأنا شايفة ابني بيموت من الجوع وصدري ناشف مش جايب نقطة مية، وأنا مش بإيدي حاجة أعملها.
نزلت راسي في الأرض، والكسوف والخزي
خنقوني. حطيت مروان بالراحة وسط السرير، ولفيت ليها
تم نسخ الرابط