حماتي وسر الاكل حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

وأنا مش قادر أحط عيني في عينها
حقك عليا.. لو فضلت أعتذر لآخر يوم في عمري مش هيكفي. أنا كنت أعمى، غسلت دماغي بكلامها وعشت دور الراجل الشقيان التعبان ورميت حمول بيتي على واحدة تانية، ونسيت إنك أنتِ أمانتي. أنا اللي طلعت مش راجل يا آية، مش أنتِ اللي مقصرة.
قمت وقفت، ودخلت المطبخ. شلت كيس الفاكهة والتفاح اللي كنت شاريه، وطلعت علبة الفيتامينات. دخلت على البوتاجاز، غرفت طبق شوربة فراخ سخن من اللي أمي كانت شايلاها ليا، وجبت عيش طازة، ورجعت الأوضة. حطيت الصينية قدامها على السرير.
كلي يا آية.. كلي واشبعي، الأكل ده كله ليكي. ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيشاركك في لقمة بعد النهاردة.
بصت لطبق الشوربة، ومدت إيدها وهي بتترعش، مسكت المعلقة وبدأت تاكل. أول قطمة بلعتها، عينيها دمعت تاني، بس المرة دي مكنش عياط خوف، كان عياط بني آدم بيحس بآدميته بعد ما اتهانت. كنت قاعد جمبها، بقطع لها الفراخ وبناولها بأيدي، وكل قطمة بتاكلها كنت بحس إن روحي أنا اللي بترجعلي.
لما خلصت، سندت ضهرها لورا على المخدة، ولأول مرة من يوم الولادة، شفت لون الدم بيرد في وشها الصفر، وعينيها بدأت تهدى.
بصتلي وقالت
وأمك يا رامي؟ دي أمك.. مهما كان اللي عملته، أنت طردتها بسببي. بكرة لما تهدى وتفكر، هتقول آية هي السبب وتكرهني.
مسكت إيدها وضغطت عليها جامد، وكانت لسة سقعانة، بس بدأت تدفى
أمي على عيني وراسي، ليها برها وفلوسها وتمن علاجها هيروح لها لحد عندها، لكن دخولها بيتي تاني.. لاء. اللي يهون عليه حفيد حتة من ابنه يسيبه يجوع، واللي يرضى يذل ست في ضعف ولادتها ويمص دمها ودم جوزها عشان يشتري دهب، يبقى ميعرفش
ربنا. أنا مش هكرهك يا آية.. أنا هفضل مديون لك بعمري كله عشان استحملتي القرف ده ومرمتيش الواد في حضني ومشتي من أول يوم.
مروان اتمطع في السرير، وطلع صوت صغير وهو نايم. بصينا لبعض وإحنا الاتنين ابتسمنا.. كانت أول ابتسامة تدخل البيت ده من خمستاشر يوم.
قربت منها، وأخدتها في حضني بالراحة كأنها حتة زجاج خايف عليها تتكسر. آية حطت راسها على صدري، وبدأت تتنفس بانتظام، تنهيدة طويلة ومطمنة، كأنها أخدت أول نفس حقيقي ليها من يوم ما ولدت.
نامي يا آية.. نامي وارتاحي، وأنا صاحي جمبكم، ومش هسمح للوحوش تقرب منكم تاني طول ما فيا نفس.
مرت الساعات والليل بدأ يلملم حاجته ويمشي، والنور طالع من شباك الأوضة بالراحة، بيفرش خيوط بيضا هادية على السرير. لأول مرة من خمستاشر يوم، الشقة مفيهاش صوت صريخ، مفيهاش كبس وهلع نص الليل، مفيهاش صوت كتم العياط في المخدة.
آية كانت نايمة بعمق، ملامحها اللي كانت مشدودة ومتشنجة بدأت تفك، وإيدها كانت مفرودة جمب مروان اللي نايم هو كمان ومكتفي، بطنه مليانة وبوقه مفتوح سنة صغيرة ومطمن.
قمت من جمبهم براحة، خطوة ورا خطوة عشان البلاط ميعملش صوت. دخلت المطبخ.. المطبخ اللي شهد المهزلة. بصيت على الأرض، الأطباق المكسورة والأكل المدلوق كان لسة زي ما هو. نزلت على ركبي ولميت كل حتة إزاز، ومسحت البلاط وخليته بيبرق، وكأني بمسح وسخ الأيام اللي فاتت من بيتي.
عملت كوباية شاي سادة، وقعدت في الصالة على الكنبة، ببص على باب الشقة المقفول. تليفوني رن.. شفت الاسم، كانت أختي الكبيرة، منى.
نفخت بضيق ورديت بصوت واطي
أيوة يا منى.. صباح الخير.
صباح الزفت يا رامي! صوت منى كان
عالي ومغلول، أنت اتجننت؟ أنت إزاي تعمل كده في أمك؟ تطردها في الشارع عشان خاطر مرتك الست هانم؟ أمك جيلنا الفجر بتعيط ودموعها مغرقة وشها وتقول رامي رماني برة عشان حتة بت ميسواش!
أمك قالتلك هي اتهانت ليه يا منى؟ سألتها ببرود غريب، برود طالع من قلب اتحرق وخلاص مبقاش باقي فيه حتة سليمة.
هتقول إيه يعني؟ بتقول بتراعي بيتك وتوفرلك قرشك، ومرتك المدلعة مش عاجبها العجب وبتقومك عليها!
أمك كانت بتأكل آية زبالة الأكل يا منى.. كانت بتأكلها عضم سمك ناشف ورز حمضان من اللي بنرميه في الزبالة، في الوقت اللي كانت بتاخد مني ١٥ ألف جنيه مصروف في الأسبوعين، وتنزل تشتري بيهم دهب وتخبيه في دولابها والواد بيموت من الجوع وصدري أمه ناشف مش لاقي نقطة لبن يرضعها.
الخط سكت تماماً. منى ملقيتش كلمة تقولها، نفس السكوت اللي جالي لما شفت الطبق.
رامي.. أنت بتتكلم جد؟ أمي تعمل كده؟ صوت منى اتهز ومبقاش فيه الغرور بتاع أول المكالمة.
أنا شفتها بعيني وهي مستخبية في كورنر المطبخ وبتتنفض زي الحرامية وبتلم اللقمة العفنة من الأرض.. أمك قاسية يا منى، قاسية أوي، واللي يعيش مع وحش وميخدش باله يبقى أعمى، وأنا كنت أعمى وفتحت. أمي ليها مصاريفها وعلاجها هبعتهولها لحد عندك، لكن خطوة جوة البيت ده مش هتحطها تاني، والمرة الجاية اللي هتتصلي بيا عشان تلوميني، هسمعك كلام يزعلك.. سلام.
قفلت السكة وفصلت التليفون خالص. مش عايز دوشة، مش عايز ناس تسمم عيشتي تاني.
رجعت الأوضة، لقيت آية بدأت تفتح عينيها. بصت حواليها بفزع كأنها بتدور على الحلم اللي صحيت منه، بس لما شافتني قاعد ع الكرسي جمبها، وهديت ونزلت رجليها من على
السرير.
صباح الخير، قلتها وأنا ببتسم لها.
صباح النور.. أنت منمتش يا رامي؟
لاء، منمتش، بس صاحي فايق وبصحتي لأول مرة من يوم ما ولدتي. قوليلي بقى.. نفسك تأكلي إيه النهاردة؟ أنا اللي هطبخ، وهعملك لقمة تترد في عضمك.
آية بصتلي، ولأول مرة من يوم ما رجعت من المستشفى، شفت لمعة عينيها القديمة، الضحكة الناعمة اللي بتطلع لما تتكسف. قرّبت مني ومسكت إيدي، المرة دي إيديها كانت دافية.
مش عايزة أكل غالي يا رامي.. أنا عايزة بس أفضل حاسة إن البيت ده بتاعي، وإن مفيش حد واقفلي بالمرصاد في اللقمة وفي النفس.
البيت بيتك يا أم مروان، وإحنا ملناش غير بعض.
مروان صحي، وبدأ يفرك ويدعي في عينه ويطلع صوته الصغير. آية شالته بحنان، وقعدت على السرير، وفتحت زراير عبايتها براحة.. ومن غير خوف، من غير ما تبص وراها، ومن غير ما تداري صدرها.
حطت الواد على صدرها.. والمرة دي، مروان ممصش بغل وعياط. الواد بدأ يرضع بهدوء ونفس منتظم، وصوت البلع كان مالي الأوضة.. اللبن رجع، لأن الروح ردت، والأمان رجع للبيت.
وقفت وبصيت عليهم، وحسيت إن الديون والشغل والتعب وكل هموم الدنيا هانت.. طالما الحيتان اللي جوة البيت مشيت، والوحوش ادمجت برة، بيتنا هيرجع يقف على رجليه تاني، وأقوى من الأول.
عدت الأيام، والبيت اللي كان عبارة عن مستشفى مجانين وصريخ، بقى حتة من الجنة. آية بدأت صحتها ترد، خدودها اللي كانت سقطت ودخلت لجوه بدأت تملى تاني وتورد، وضحكتها اللي كانت وحشاني رجعت تنور الوش من جديد. ومروان؟ مروان بقى ينام بالست والسبع ساعات متواصلين، وبقى يملى هدومه وصحته لوز اللوز، وبقينا لما نبص في وشه نلاقيه بيضحك ويزقزق
بعد ما كان وشه دايماً أزرق ومخطوف
تم نسخ الرابط