ورثـة الاهمـال كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

حسيت نفسي مش سامعة صح.

كل الملايين اللي ولادي فرحانين بيها…

كانت مجرد جزء صغير.

أما الثروة الحقيقية…

فكانت مستخبية هنا.

في مطروح.

بعيد عن عيونهم.

بعيد عن طمعهم.

وبعدين طلع ظرف صغير من الملف وسلّمهولي.

— الأستاذ محمود كتب الجواب ده قبل وفاته بشهر… وقال محدش يديهولك غير لما توصلي بنفسك.

إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الظرف.

ولأول مرة من سنين…

شفت خط محمود قدامي.

"ثريا…

لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا خلاص مشيت، وسِبتِك تواجهِي الحقيقة لوحدِك… زي ما واجهتِ الحياة كلها معايا.

أنا عارف إني ظلمتك سنين.

سيبتك تشتغلي وتتعبِي، بينما أنا كنت بخبّي كل حاجة.

مش خوف منك…

لكن خوف عليهم.

كنت عارف إن ولادنا لما يشوفوا الفلوس، هيبان معدنهم الحقيقي.

وعشان كده سبتلهم كل حاجة كانوا بيجروا وراها…

وسبتلك الحاجة الوحيدة اللي تستحق فعلًا.

الأمان.

والحقيقة.

وثمن عمرك اللي ضاع معايا."

وقفت القراءة لأن دموعي خانتني.

لكن كان لسه فيه آخر سطر.

السطر اللي قلب كل حاجة جوايا:

"آدم… ابن أخويا فؤاد… عايش هنا في مطروح.

ولو سامحتيني يوم…

خليه يبقى ابنك."

إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الجواب.

مش

عارفة أبكي على محمود…

ولا على عمري اللي عدى وأنا فاكرة إني أعرف الراجل اللي عشت معاه.

رفعت عيني للمستشار ياسين وقلت بصوت مبحوح:

— وآدم… فين دلوقتي؟

ابتسم بهدوء وقال:

— مستني برّه.

قلبي اتقبض.

وفجأة حسّيت بخوف غريب… خوف الست اللي حياتها كلها اتقلبت في يوم واحد.

الباب اتفتح ببطء…

ودخل راجل في أوائل الأربعينات.

أسمر من شمس البحر، عينيه هادية بشكل يوجع القلب، ولما بصلي… حسّيت إني شوفت ملامح محمود قدامي فجأة.

مش شبه كريم.

ولا نادية.

لا…

شبه محمود زمان… قبل التعب والمرض والخذلان.

وقف متردد شوية، وبعدين قال:

— مدام ثريا…

صوته كان مكسور.

مشيت ناحيته من غير ما أحس بنفسي.

وقفت قدامه أتأمله.

وفجأة افتكرت جملة محمود الأخيرة:

"خليه يبقى ابنك."

وقتها فقط…

فهمت.

محمود ماكانش بيهربني لمطروح.

كان بيرجعلي عيلة.

آدم حكى كل حاجة بعد كده.

إزاي أمه ماتت وهو صغير.

وإزاي محمود فضل يبعتله فلوس طول السنين من غير ما يقول لحد.

وإزاي كان ينزل مطروح كل كام شهر بحجة السفر والعلاج والشغل، عشان يطمن عليه.

وإزاي كان نفسه يعرفني الحقيقة ألف مرة… لكنه كان خايف.

خايف ولادنا يكرهوه.

وخايف

يخسرني أنا كمان.

وفي الليلة دي، لأول مرة من سنين طويلة…

نمت من غير ما أسمع صوت جهاز تنفس.

ولا أنين مرض.

ولا خوف من بكرة.

صحيت الصبح على صوت البحر.

ولأول مرة من ساعة وفاة محمود…

ماحسّتش إني لوحدي.

لكن القاهرة ماستنتش كتير.

بعد أسبوع بالظبط، التليفون رن.

كانت نادية.

صوتها متوتر بشكل واضح:

— ماما… هو صحيح بابا كان عنده أملاك تانية؟

سكت.

عرفوا.

أكيد عرفوا.

يمكن من المحامي.

يمكن من البنك.

يمكن لأن الطمع عمره ما بينام.

قلت بهدوء:

— أيوه.

سمعت شهقتها.

وبعدين صوت كريم دخل على الخط بعصبية:

— يعني إيه أيوه؟! وإحنا ماقولتيلناش؟!

ضحكت لأول مرة من شهور… ضحكة باردة حتى أنا اتفاجئت بيها.

وقلت:

— أصل أبوكم كان أذكى منكم كلكم.

سكتوا.

ولأول مرة في حياتهم… ماكانش عندهم رد.

بعد يومين جم مطروح.

هما الاتنين.

ومعاهم داليا.

دخلوا البيت يبصوا حواليهم بنفس النظرة القديمة… نظرة الناس اللي بتقيس قيمة المكان بسعره.

لكن المرة دي…

أنا ماكنتش الست المكسورة اللي سابوها في مكتب المحامي.

قعدت بهدوء، وآدم واقف جنبي.

ولما نادية سألت بسرعة:

— البيت ده يساوي كام؟

بصتلها طويلاً…

طويلاً

جدًا…

لحد ما بدأت تتوتر من سكوتمي.

وبعدين قلت:

— أقل من تمن ليلة واحدة كنتوا تباتوا فيها جنب أبوكم وهو بيتوجع.

وشها احمر.

أما كريم فقال بعصبية:

— يعني إيه؟ إحنا ولاده!

هزيت راسي بهدوء.

— الولاد مش ورق عيلة بس يا كريم… الولاد مواقف.

الصمت نزل تقيل على المكان.

ولأول مرة…

شفتهم صغيرين.

مش أغنياء.

مش أقوياء.

صغيرين وخايفين.

وخايفين أكتر لأنهم فهموا متأخر إن أبوهم شاف حقيقتهم قبل ما يموت.

وقبل ما يمشوا، نادية وقفت عند الباب وقالت بصوت مكسور:

— يعني خلاص يا ماما… اخترتيه علينا؟

بصيت لآدم…

الراجل اللي محمود حاول يصلّح بيه ذنب عمر كامل.

ثم بصيت لبنتي.

وقلت بهدوء موجع:

— لا يا نادية…
أبوك هو اللي اختار من زمان.
بس إنتوا كنتوا مشغولين بالورث لدرجة إنكم ماخدتوش بالكم.

خرجوا وسابوا البيت وراهم.

ولأول مرة…

أنا ماجريتش ورا حد.

بعد شهور، فتحت أوضة خياطة صغيرة في مطروح.

كنت بخيط للناس هناك… مش عشان الفلوس.

لكن عشان الحياة ترجع تتحرك في إيديا تاني.

وآدم بقى ييجي كل يوم الصبح يشرب القهوة معايا قبل شغله.

وفي كل مرة كان يناديني:

"يا أمي."

كنت بحس إن محمود، أخيرًا…

نفّذ

آخر وعد بينا.

أما نادية وكريم…

فمع الوقت فهموا إن الفلوس ممكن تشتري بيوت وعربيات…

وفي يوم، وأنا قاعدة قدام البحر وقت الغروب، طلعت صورة محمود القديمة من الشنطة.

بصيت لوشه طويلًا…

وقلت وأنا بابتسم وسط دموعي:

— المرة دي سامحتك يا محمود…
بس عشان رجعتلي نفسي قبل ما أموت أنا كمان. ❤️

تم نسخ الرابط