ورثـة الاهمـال كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

 عيالي واقفين في العزا كإنهم مستنيين توزيع غنيمة… مش بيودّعوا أبوهم.

بعد ما الدفنة خلصت، والمحامي فتح الوصية، بنتي نادية أخدت شقتين في القاهرة والإسكندرية… وابني كريم أخد العربيات… والاتنين ورثوا الفيلا الكبيرة اللي في الساحل، والأرض، والحسابات البنكية اللي عمري ما عرفت أصلًا إن جوزي عنده بالمبالغ دي كلها.

أما أنا…

أنا، اللي شيلته على كتفي تمن سنين وهو بيضيع حتة حتة قدامي…

أنا اللي كنت بأكّله بإيديا، وأغيّرله هدومه، وأقعد جنبه بالليل لما الألم يقطّعه ومينامش…

أنا اللي كنت بخيط للناس عبايات وفساتين وأصلّح هدوم الجيران عشان أعرف أوفّر تمن العلاج والحفاضات الطبية والأجهزة اللي التأمين كان بيرفض يدفعها…

أنا أخدت ظرف صغير مقفول.

بس.

من غير كلمة.

من غير جواب.

من غير حتى سطر بخط إيده.

فاكرة اللحظة دي كويس… لما نادية مدت إيدها بسرعة ناحية الظرف كأنها مستنية تشوف الإهانة الأخيرة بعينيها.

فتحت الظرف بإيدي المرتعشة…

ولقيت جواه تذكرة سفر.

ذهاب فقط.

لـ مطروح.

ساعتها سمعت كريم بيقول وهو بيبص في الورق بابتسامة باردة:

— مطروح هادية… وتنفع لواحدة في سنك.

قالها بصوت ناعم أوي… النوع اللي يبان فيه الاهتمام وهو في الحقيقة بيزقك برا حياته بهدوء.

كان عندي اتنين وسبعين سنة.

وفي اللحظة دي… ماحسّتش إني أرملة بس.

حسّيت إني اترميت.

الفلوس ماكنتش أكتر حاجة وجعتني.

الوجع الحقيقي كان في عيون عيالي… الفرحة اللي مستخبية جواهم وهم بيعدّوا الأملاك، أكتر بكتير من حزنهم على أبوهم.

مع إن أبوهم ما ماتش فجأة.

لا…

أبوهم اختفى بالبطيء.

وأنا وحدي اللي كنت موجودة طول الطريق.

نادية كانت تيجي زيارة سريعة، تبوس أبوها من بعيد وتمشي.

كريم علطول عنده شغل ومشغول وسكة السفر طويلة.

ومراته داليا كانت تبص للشقة كأن المرض نفسه معدي.

وأنا؟

كنت بخيط.

كل يوم.

عشان البيت يكمل.

عشان العلاج ييجي.

عشان الأكل ميتقطعش.

عشان كرامة جوزي تفضل عايشة حتى وهو جسمه بيخونه يوم بعد يوم.

وفي ليالي كتير… كان جوزي، محمود، يمسك إيدي كأنه عايز يقول حاجة مهمة… بس يرجع يسكت.

قبل ما يموت بيوم، قال جملة واحدة غريبة لحد النهارده صوتها بيرن في ودني:

— ماتصدقيش كل اللي باين يا ثريا… أغلى الحاجات ساعات بتستخبى جوه أصغر حاجة.

وقتها افتكرت إن المرض لخبط كلامه.

لكن بعد العزا… وأنا قاعدة لوحدي في شقتنا القديمة في شبرا، فضلت باصة لتذكرة السفر ساعات.

ليه مطروح؟

إحنا عمرنا حتى ما قضينا مصيف هناك.

ولا لينا قرايب.

ولا بينا وبين المكان أي ذكرى.

ومع ذلك…

حاجة جوايا ماخلتنيش أقطع التذكرة.

يمكن كبرياء.

يمكن فضول.

ويمكن آخر جزء لسه بيحب محمود جوا قلبي كان رافض يصدق إن راجل عاش معايا خمسة وأربعين سنة ممكن يسيبني بالإهانة دي.

جهزت شنطة صغيرة.

تلات عبايات.

المصحف الصغير بتاعي.

وصورة فرحنا القديمة.

وقبل ما أمشي… فتحت درج الكومودينو بتاع محمود، من غير سبب حقيقي.

وهناك…

لقيت صورة عمري ما شوفتها قبل كده.

محمود كان أصغر بكتير… واقف جنب راجل شبهه بشكل خلاني قلبي يدق بعنف.

وراهم جبل وبحر وبيوت بيضا صغيرة.

وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيده:

"محمود وفؤاد
مطروح ١٩٧٨"

فضلت باصة للاسم.

فؤاد

مين؟

وليه عمري ما سمعت عنه؟

ركبت الطيارة وأنا لابسة أسود… والحزن تقيل فوق صدري كأنه حجر.

ولما وصلت مطروح، الهوا كان مليان ريحة بحر وملح وزعتر بري.

وفي لحظة… خوفت.

خوفت أكون جاية آخر الدنيا عشان إهانة جديدة.

أنا ست عندها اتنين وسبعين سنة.

لوحدي.

ومعايا تذكرة غامضة وصورة راجل معرفوش.

لكن أول ما خرجت من المطار… شوفته.

راجل شيك في أواخر الستينات، لابس بدلة رمادي، واقف كأنه مستنيني من زمان.

ما ترددش لحظة.

مادورش على حد.

مشى ناحيتي مباشرة.

وقال بهدوء:

— مدام ثريا محمود السيوفي؟

هزيت راسي وأنا حاسة ريقي ناشف.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— أنا المستشار ياسين الدمنهوري… والمحامي الخاص بالأستاذ محمود. الله يرحمه.
وكان عندي تعليمات إني أستنى حضرتك.

مش أي حد…

أنا.

وفي العربية، طول الطريق، كان بيتكلم بهدوء غريب.

قال إنه كان يعرف محمود من سنين طويلة.

وقال إن جوزي رتّب كل حاجة بنفسه.

وإن ولادي أخدوا فعلًا اللي كان المفروض ياخدوه.

وبعدين بصلي في المراية وقال الجملة اللي خلت قلبي يقف لحظة:

— لكن حضرتك… لسه ماعرفتيش الحقيقة اللي الأستاذ محمود مخبيها بقاله سنين.

المستشار ياسين وقف بالعربية قدام بيت قديم مطلّ على البحر.

ماكانش قصر…

لكن كان فيه هيبة غريبة… كأن الزمن وقف جواه من سنين.

نزل وفتحلي الباب بنفسه وقال بهدوء:

— اتفضلي يا مدام ثريا… الأستاذ محمود كان متأكد إنك هتيجي.

قلبي دق بعنف.

كل كلمة كان بيقولها بتحسسني إن جوزي كان عايش حياة كاملة أنا معرفهاش.

دخلت البيت.

ريحة خشب قديم وقهوة وبحر.

وفي الصالة… اتجمدت

مكاني.

لأن على الحيطة كانت معلقة عشرات الصور لمحمود.

صور عمري ما شوفتها.

محمود شاب… بيضحك.

محمود على مركب صيد.

محمود واقف وسط أرض زيتون.

بصيت للصورة الأخيرة ووشي شحب.

الطفل كان شبه كريم ابني بشكل مرعب.

همست:

— مين الولد ده…؟

المستشار ياسين سكت ثواني طويلة، كأنه بيدي للحقيقة فرصة تخفّ شوية قبل ما تقع فوق دماغي.

وبعدين قال:

— ده فؤاد… أخو الأستاذ محمود.

حسيت الدنيا بتلف.

— أخوه؟! محمود ماكانش عنده أخ!

— كان عنده… لكن العيلة خبّته طول عمرها.

قعدت ببطء وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني.

وياسين بدأ يحكي…

من أكتر من خمسين سنة، أبو محمود كان راجل غني جدًا في إسكندرية. ولما مات، حصلت خناقة كبيرة على الورث بين محمود وأخوه الأصغر فؤاد.

لكن المشكلة ماكنتش الفلوس.

المشكلة إن فؤاد اتجوز واحدة فقيرة من مطروح ضد رغبة العيلة.

العيلة كلها قاطعته.

ومحمود… سابه.

قال الجملة الأخيرة وهو باصصلي مباشرة:

— والأستاذ محمود فضل ندمان على القرار ده طول عمره.

بلعت ريقي بالعافية.

— يعني إيه؟

فتح درج صغير في المكتب وطلع جواب قديم متصفر من الزمن.

وقال:

— لأن بعد سنتين… فؤاد مات.

سكت…

ثم كمل بصوت أخفض:

— وساب وراه ابن صغير ومراته… لوحدهم.

حسيت بإيدي بتتلج.

— الولد اللي في الصورة…؟

هز راسه.

— اسمه آدم.

وساعتها بدأت أفهم ليه محمود كان ساعات يصحى بالليل مخضوض… وليه كان يقعد بالساعات ساكت يبص في السقف.

كان شايل ذنب عمر كامل.

لكن الصدمة الحقيقية لسه ماجاتش.

ياسين فتح ملف قديم، وطلع عقد ملكية.

وحطه قدامي.

بصيت للاسم… ومافهمتش

في الأول.

لأن الاسم المكتوب كان باسمي أنا.

"السيدة ثريا محمود السيوفي."

رفعت عيني بذهول.

— ده إيه…؟

ابتسم لأول مرة وقال:

— الأستاذ محمود نقل البيت ده والأرض اللي حواليه وكل الحسابات اللي هنا باسم حضرتك من أربع سنين.

شهقت:

— إيه؟!

— الورث الحقيقي كله هنا يا مدام ثريا.

ماقدرتش أتكلم.

تم نسخ الرابط