ثـمن التضحيـة و الغـربة كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

ومحمود قال بسرعة:

— بعنا شوية حاجات بسيطة علشان نسدد ديون.

ندى قربت منه ببطء.

— ديون مين؟

محمود سكت.

لكن سمر اتكلمت بعصبية:

— ديون البيت يعني! ما الراجل متبهدل علشانكم!

ندى فهمت.

وفهمت أكتر لما لمحت عقد فوق الترابيزة.

ورقة مختومة.

مسكتها بسرعة.

وقبل ما حد يمنعها… فتحتها.

وعينيها وسعت بصدمة.

العقد كان رهن للبيت.

البيت كله.

باسم محمود.

ولصالح واحد اسمه "الحاج ربيع".

ندى رفعت عينيها ببطء ناحية أخوها.

— رهنت البيت؟!

محمود قرب منها بسرعة يحاول ياخد الورق.

— كنت هفكه… والله كنت هفكه.

— بفلوسي؟!

سكت.

وده كان أسوأ اعتراف.

ندى حست الدنيا بتلف حواليها.

البيت اللي بنت فيه حلم أهلها… مرهون.

أبوها بيشتغل خدام.

أمها بقت خايفة تتكلم.

وأخوها باعهم كلهم علشان يغطي حياة مراته وأمها.

الحج رمضان فجأة اتكلم بصوت ضعيف:

— سيبيه يا بنتي… أخوكي اتغلب.

ندى لفت ناحيته بسرعة.

— وإنت سكت ليه يا بابا؟

الراجل الكبير بص للأرض.

— علشان ما يتهدش البيت.

ندى دموعها لمعت.

— البيت اتهد فعلًا يا بابا… بس مش بالطوب.

سمر فجأة صرخت:

— يعني إيه؟ جاية تطردينا؟!

ندى بصتلها ببرود مرعب.

— أيوه.

كلهم اتجمدوا.

حتى الهوا وقف للحظة.

الحاجة أنصاف ضحكت بسخرية.

— تطردينا منين يا حبيبتي؟ البيت باسم أخوكي.

ندى رفعت العقد قدامها.

— البيت ده متدفع من حسابي أنا. وكل التحويلات معايا. ولو تحبي… أجيب المحامي حالًا.

الارتباك ظهر على وش محمود لأول مرة.

— ندى… ما تكبريش الموضوع.

— الموضوع كبير من يوم ما خليتوا أمي تخدمكم.

وبدأت تطلع تليفونها.

سمر جريت عليها.

— إنتِ مجنونة؟!

ندى بعدتها بإيد واحدة.

— الليلة دي… محدش هينام هنا غير أمي وأبويا.

الحاجة أمينة بدأت تعيط.

— يا بنتي الناس هتتكلم…

— يسيبوا الناس تتكلم يا أمي… كفاية سكوت لحد كده.

وبالفعل…

بعد ساعة واحدة…

كانت عربية نقل واقفة قدام البيت.

سمر بتلم هدومها وهي بتصرخ.

الحاجة أنصاف بتشتم الحارة كلها.

ومحمود

واقف ساكت… مكسور.

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت قبل ما يمشي.

الحاج ربيع بنفسه وصل.

راجل ضخم، صوته يخوف.

أول ما نزل قال:

— فين فلوسي يا محمود؟

الحارة كلها بدأت تتجمع.

ندى خرجت تقف قدامه بثبات.

— كام الباقي؟

الحاج ربيع بص لها باستغراب.

— وإنتِ مالك؟

— صاحبة البيت.

الراجل ضحك.

لكن لما شاف الورق والتحويلات… وشه اتغير.

قال الرقم.

كان أكبر بكتير مما توقعت.

كل تعب السنين تقريبًا.

الحاجة أمينة شهقت.

— يا ساتر يا رب…

ندى سكتت ثواني.

وبعدين فتحت موبايلها.

حوّلت المبلغ كامل.

الجميع بص لها بصدمة.

حتى الحاج ربيع نفسه.

— خلصنا؟ — سألت بهدوء.

الراجل هز راسه.

وسلّمها الورق.

البيت بقى حر.

لكن ندى ما فرحتش.

لأنها كانت حاسة إن قلبها بيدفع تمن أغلى من الفلوس.

الحاج رمضان قرب منها فجأة.

إيده المرتعشة لمست وشها.

— تعبناكي يا بنتي…

انهارت.

عيطت سنين كاملة دفعة واحدة.

عيطت الغربة.

والوحدة.

وخذلان الأخ.

وضعف الأم.

وكسرة

الأب.

وفي نص عياطها…

سمعت صوت محمود.

كان واقف عند باب البيت، شنطته في إيده، وشكله كأنه كبر عشر سنين في يوم واحد.

— ندى…

بصتله من غير رد.

دموعه نزلت لأول مرة.

— أنا آسف.

سكتت.

فكمل بصوت مكسور:

— كنت فاكر إني لما أرضي مراتي وأهلها أبقى راجل… وماخدتش بالي إني بضيع أهلي الحقيقيين.

ندى بصتله طويل.

وبعدين قالت بهدوء موجع:

— الرجولة مش إنك تخلي أبوك ينحني علشان ترضي حد.

محمود نزل عينه.

— هصلح كل حاجة.

ندى ردت بسرعة:

— بعض الحاجات لما بتتكسر… عمرها ما بترجع زي الأول.

وسابته واقف مكانه.

بعد شهر…

ندى نقلت أهلها شقة صغيرة مؤقتة في القاهرة علشان يرتاحوا.

رجعت جددت البيت كله بنفسها.

رجعت زرعت الياسمينة اللي أمها كانت بتحلم بيها.

وجابت غسالة جديدة.

وكرسي هزاز لأبوها يقعد عليه وقت المغرب.

أما محمود…

فسمر سابته بعد ما الفلوس خلصت.

وأمها اختفت من حياته كأنهم عمرهم ما عرفوه.

رجع لوحده… مديون ومكسور.

وفي يوم، بعد شهور

طويلة، كان واقف برة البيت القديم.

ندى شافته من الشباك.

واقف ساكت… شايل كيس فاكهة صغير.

الحج رمضان قال بهدوء:

— ده ابنك برضه يا أمينة.

الحاجة أمينة دمعت.

أما ندى…

ففضلت ساكتة للحظات طويلة.

ثم قامت وفتحت الباب.

لأن بعض القلوب… حتى بعد ما تتكسر…

بيفضل فيها حتة صغيرة للرحمة.

تم نسخ الرابط