ثـمن التضحيـة و الغـربة كاملة بقلم انجي الخطيب
رجعت ندى من غير ما تبلغ حد علشان تفاجئ أهلها بالبيت والأرض اللي اشترتهالهم بعد سنين شقا وغربة… وأول حاجة شافتها كانت أبوها بيكنس الحوش كأنه خدام عند نفس الناس اللي عايشين من فلوسها.
ما شافتش في الأول البيت اللي بنته بالطوب الأحمر والسقف القرميد على طرف البلد في الريف، بعد ٦ سنين شغل في مصنع ملابس بالعاشر من رمضان.
ما شافتش شجرة الياسمين اللي أمها كانت نفسها تزرعها جنب الباب، ولا المصطبة الواسعة اللي كانت بتحلم تقعد عليها وقت المغرب وهي تسمع قرآن العصر وصوت الديوك جاي من بعيد.
أول حاجة شافتها كانت الحج رمضان… أبوها.
واقف في عز الحر، عرقه مغرق جلابيته، وضهره محني، وماسك مقشة قديمة بيكنس التراب من الحوش كأنه أجير في بيت ناس غريبة.
وتحت ضل السقيفة كانت قاعدة سمر مرات أخوها، جنب أمها الحاجة أنصاف، بيشربوا عصير لمون بسودا في كوبايات كبيرة، ضوافرهم متعملة جديد، ودلايات الدهب مالية رقبتهم، وشباشبهم جديدة… وكل ده، بطريقة أو بأخرى، من الفلوس اللي ندى كانت بتبعتها كل شهر علشان العلاج والأكل وراحة أهلها.
ندى فضلت قاعدة جوه العربية اللي مأجراها، وإيديها ماسكة الدريكسيون بعنف.
كانت متخيلة رجوعها ألف مرة…
أمها تعيط من الفرحة.
ريحة العيش البلدي طالعة من الفرن، وصينية البطاطس بالفراخ على السفرة، وكوبايات الشاي بالنعناع وقت الغروب.
لكن مش ده اللي شافته.
مش أبوها مكسور في البيت اللي هي اشترته علشان يرتاح فيه آخر عمره.
— يا حج رمضان! خلّص كنس بقى! — صرخت الحاجة أنصاف وهي قاعدة بمروحتها — التراب دخل في الشبشب الجديد.
الراجل
بس وطّى راسه أكتر وكمل كنس.
ندى حست بحاجة ساقعة ماشية في صدرها.
ماكانش غضب عادي…
كان وجع تقيل، ساكت، من النوع اللي ما بيطلعش في صوت عالي… بيطلع في قرارات.
وفجأة خرجت أمها، الحاجة أمينة، من جنب البيت وهي شايلة طشت هدوم مبلولة. كانت ماشية بالعافية، إيديها محمرة من كتر الغسيل والدعك.
ندى كانت شاريلها غسالة أوتوماتيك من سنتين علشان ما تمدش إيديها في الغسيل تاني طول عمرها.
وراها كانت ماشية سمر، ماسكة الموبايل على ودنها وكيس شيبسي في إيدها.
— خلي بالك من العباية البيضا يا حماتي — قالت ببرود — أصل هلبسها بالليل وإحنا نازلين نتعشى على الكورنيش.
الحاجة أمينة هزت راسها بالموافقة.
هزتها كأن الطاعة بقت عادة حتى لو بتكسرها.
ندى بلعت ريقها.
وفي ثانية عدّى قدام عينيها كل حاجة…
ليالي الشغل الإضافي.
الأيام اللي نامت فيها أربع ساعات بس.
السلالم اللي كانت بتطلعها وهي بتنضف بيوت الناس بعد شيفت المصنع.
الهدوم القديمة اللي فضلت تلبسها علشان توفر.
الأعياد اللي عدّت عليها لوحدها.
المرات اللي اتعشت فيها إندومي علشان تبعت فلوس أكتر لأهلها.
كل ده كان علشانهم.
علشان أبوها يرتاح.
علشان أمها تكبر من غير ما حد يأمرها تغسل وتخدم.
وفجأة الحج رمضان ساب المقشة، ومسك كوباية عصير علشان يطلعها للسقيفة.
أول ما طلع السلمة… إيده اتهزت، وشوية عصير وقعوا على الأرض.
الحاجة أنصاف قامت بعصبية وزقت الكوباية من إيده.
الكوباية اتكسرت على الأرض.
— يا عديم النفع! — قالت باحتقار — حتى الشرب مش عارف تمسكه عدل!
الحج رمضان نزل على
في اللحظة دي…
ندى فتحت باب العربية بعنف.
الصوت خلا الكل يلف ناحيتها.
الحاجة أمينة وقع منها الطشت.
— ندى…؟!
سمر قامت بسرعة واتوترت ابتسامتها.
— يا نهار أبيض! ندى! جيتي من غير ما تقولي! وحشتينا يا حبيبتي.
ندى طلعت السلم بهدوء.
عينيها كانت بتلف بين إيد أمها، وضهر أبوها، والإزاز المكسور، ودهب الحاجة أنصاف، وابتسامة سمر المصطنعة.
وقالت بهدوء مخيف:
— أيوه… واضح إن المفاجأة كانت ليا أنا كمان.
سمر ، لكن ندى رجعت خطوة لورا.
— قبل ما تلمسيني… فهميني ليه أبويا بيجمع إزاز من على الأرض وإنتوا قاعدين مرتاحين في بيته؟
الحاجة أنصاف شبكت إيديها وقالت بحدة:
— بصي يا بنتي، كلنا بنساعد بعض هنا. بلاش تعملي فيها بطلة.
ندى بصتلها نظرة جامدة.
— أمي ست كبيرة… وإنتِ قاعدة تتأمري عليها في بيت مش بيتك.
الصمت نزل على المكان تقيل.
وفي اللحظة دي خرج محمود، أخو ندى الكبير، من ناحية الزريبة. هدومه كلها طين ووشه باين عليه التعب والهم.
أول ما شافها وقف مكانه.
ندى بصتله كأنها أخيرًا لقت أصل المصيبة.
— قولّي يا محمود… من إمتى وإنت ساكت على إهانة أمي وأبويا في البيت اللي أنا دفعت تمنه؟
محمود وطّى عينه في الأرض.
وقبل ما ينطق…
سمر صرخت بعصبية:
— ما تقولهاش حاجة!
ندى فهمت وقتها إن اللي بيحصل مش جديد…
دي كدبة قديمة متغطية بالسكوت.
والأسوأ… لسه مستخبي جوه البيت.
ندى ثبتت عينيها على أخوها محمود، وكانت مستنية منه أي كلمة… أي محاولة يبرر بيها اللي شافته.
لكن محمود ما رفعش عينه من الأرض.
الحاجة
— يا بنتي ادخلي الأول ارتاحي من السفر… وبعدها نتكلم.
ندى بصتلها بوجع.
أمها كانت بتتكلم بخوف… مش براحة.
الخوف اللي بيخلي الواحد يخبّي المصيبة بدل ما يصرخ منها.
— أرتاح؟ — قالتها ندى بهدوء — وأنا شايفة أبويا بيتذل بالشكل ده؟
سمر اتدخلت بسرعة وهي بتحاول تضحك.
— يا ندى إنتِ فاهمة الموضوع غلط. الحج رمضان بنفسه بيحب يتحرك ويشتغل، وإحنا كلنا عيلة واحدة.
ندى قربت منها خطوة.
— والعيلة الواحدة تخلي أمي تغسل هدومك بإيديها؟
وش سمر اتشد.
لكن الحاجة أنصاف قامت من مكانها وهي بتعدل طرحتها بتكبر.
— بصي يا بنتي… طول ما أخوكي راجل البيت يبقى مراته ليها احترامها هنا.
ندى ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.
— راجل البيت؟ البيت ده أنا اللي دفعت تمن كل طوبة فيه.
الصمت نزل تاني.
ومحمود أخيرًا رفع عينه.
لكن بدل ما يدافع عن أبوه وأمه… قال بصوت واطي:
— الظروف كانت صعبة يا ندى.
ندى حست كأن حد خبطها على وشها.
— ظروف إيه اللي تخليكوا تخلو أبويا خدام؟
محمود انفجر بعصبية فجأة:
— وإنتِ فاكرة إن الفلوس كانت كفاية؟! الأرض خسرت… والديون كترت… وأنا كنت بحاول ألم الدنيا!
— على حساب كرامة أبوك وأمك؟!
سمر جريت وقفت قدامه بسرعة.
— كفاية بقى! هي جاية تحاسبنا؟! ما إحنا كنا بنصرف على البيت برضه!
ندى بصتلها من فوق لتحت.
— بإيه؟ بالدهب اللي في رقبتك؟ ولا بالخروجات اللي كل البلد بتتكلم عنها؟
الحاجة أنصاف شهقت.
— يا قليلة الأدب!
ندى تجاهلتها ودخلت البيت لأول مرة.
وأول ما دخلت…
قلبها
الصالون اللي اشترته اختفى.
الشاشة الكبيرة اللي بعتها من سنة مش موجودة.
حتى النيش بتاع أمها اختفى مكانه.
البيت متغير.
فاضي.
مخنوق.
كأن حد سرقه حتة حتة.
لفّت بسرعة ناحية أمها.
— الحاجة فين؟
الحاجة أمينة ارتبكت.