فرحة منكسرة كاملة بقلم انجي الخطيب
متخيلة إنه ممكن يمشي فعلًا.
قالت بعد لحظة وإنت هتعيش إزاي؟
مرتب الجامعة بتاعك ده مايكفّيش نص اللي كنت عايشه.
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة.
يمكن بس على الأقل هعيش بحاجة مش ملوثة.
وقفل المكالمة.
تاني يوم رجع القاهرة.
الشقة كانت هادية بنفس البرود المعتاد.
كل حاجة في مكانها كأن الخناقة ما حصلتش.
نادين كانت واقفة عند البلكونة، ضهرها ليه.
قالت من غير ما تبصله كنت فاكرة إنك هترجع تعتذر.
مردش.
دخل أوضة النوم وبدأ يحط هدومه في شنطة قديمة.
دخلت وراه بسرعة إنت واخد الموضوع أكبر من حجمه.
بصلها للمرة الأولى بثبات.
أكبر من حجمه؟
إنتِ طردتيني من بيتي يا نادين.
البيت بيتي فعلًا.
هز راسه ببطء أيوه. ودي
ارتبكت للحظة، لكنه كمل طول عمرنا عايشين جوه حاجة متبنية على خراب ناس تانية.
حتى حبنا كان واقف فوق كدبة كبيرة.
عينيها لمعت بعصبية يعني هتحاسبني على أخطاء أبويا؟
لا.
أنا بسيبك عشان أخطائك إنتِ.
الكلمة خبطتها.
لأول مرة وشها فقد الثبات.
قرب منها وقال بهدوء أنا استحملت برودك، انشغالك، حتى احتقارك ليا ساعات.
بس اللي حصل امبارح كشف كل حاجة.
إنتِ عمرك ما شفتيني شريك كنتِ شايفاني مشروع ناقص محتاج تمويل منك.
ده مش حقيقي!
بجد؟
يبقى ليه أول ما اتخانقنا ذكرتيني بالفلوس؟ بالشقة؟ بالعربية؟
ليه حسستيني إني شحات؟
سكتت.
ولأول مرة ماكانش عندها رد.
قفل الشنطة بهدوء.
وهو خارج، قالت بسرعة
وقف عند الباب.
صوتها اتكسر لأول مرة لو خرجت دلوقتي متترجعش.
بصلها ثواني طويلة.
ثم قال يمكن دي أول مرة تقولي فيها حاجة صح.
وخرج.
مرت شهور.
كريم نقل لشقة صغيرة إيجار جنب الجامعة.
الشقة كانت قديمة، والسقف فيه شروخ بسيطة، والحيطة محتاجة دهان.
لكنها كانت دافية.
بقى يقضي أغلب وقته مع الطلبة.
عمل مشروع مجاني يساعد الطلبة المتفوقين اللي ظروفهم صعبة.
واسمه بدأ يكبر وسط الوسط الأكاديمي بشكل محترم.
أما نادين
فبعد شهور قليلة، الشركة اللي كانت شغالة فيها دخلت في قضية فساد مالي كبيرة مرتبطة بصفقات قديمة للحاج فاروق.
الصحافة بدأت تتكلم.
والناس اللي كانت حواليها اختفوا واحد واحد.
وفي ليلة شتوية
نفس الهدوء.
نفس اللمعان.
لكن المرة دي المكان كان فاضي فعلًا.
بصت على الكنبة، على المطبخ، على البلكونة.
واكتشفت متأخر جدًا إن الراجل اللي كانت شايفاه ضعيف
كان آخر شيء حقيقي في حياتها.
في صباح دافي من شهر فبراير، كان كريم واقف في الجامعة بعد انتهاء محاضرة.
طالب صغير جري عليه بحماس دكتور كريم! اتقبلت في المنحة!
ابتسم وربت على كتفه كنت عارف إنك هتقدر.
رفع الطالب عينه وقال حضرتك السبب بعد ربنا.
سكت كريم لحظة.
وبعدين بص للسما.
لأول مرة من سنين
حس إن صدره خفيف.
لا شقة فخمة.
لا عربية ألماني.
لا حسابات بنكية ضخمة.
لكن كان عنده حاجة أهم بكتير
راحة
وأخيرًا
حس إنه رجع يعيش حياته هو،
مش حياة مبنية على ذنب حد تاني.