فرحة منكسرة كاملة بقلم انجي الخطيب
المحتويات
بالظبط. نفس الموديل ونفس الخبطة اللي كانت فيها. غريبة مش كده؟
اتجمد كريم.
العربية دي كانت مرتبطة بأسوأ فترة في حياته.
سلوى كملت بصوت متغير فاكر لما أبو نادين لعب بأبويا في الشغل؟
لما خد الزباين ووقع الورشة؟
أبويا عمره ما قام بعدها يا كريم.
كريم افتكر كل حاجة.
افتكر أبوه وهو قاعد ساكت بعد ما خسر الورشة.
افتكر الديون.
وافتكر الحاج فاروق وهو داخل بيتهم بكل برود، حاطط ظرف فلوس على الترابيزة وبيقول
اعتبروها مساعدة عشان العيال متجوعش.
وقتها أبوه خد الظرف ورماه برا الشقة.
ودلوقتي
هو عايش في شقة متدفعلها من نفس الفلوس دي.
ومراته بتعايره إنه عالة عليها.
وقتها فهم.
الموضوع ماكنش مجرد خناقة جواز.
دي حرب قديمة بدأت من سنين
وهو طول الوقت كان عايش فوق أرض عدوه من غير ما ياخد باله.
والفلوس اللي كانت مديّة نادين القوة دي كلها
كانت ريحتها لسه شايلة خيانة قديمة عمرها ما ماتتليلة كاملة عدّت على كريم وهو صاحي.
لا عرف ينام، ولا عرف يطفي الأفكار اللي كانت بتنهش في دماغه زي السوس.
صوت التكييف الضعيف في أوضة الفندق كان عامل وشّ مزعج، والحيطة المقابلة له باينة كأنها بتقرب منه شوية شوية.
مع أول ضوء للفجر، قام لبس هدومه ونزل.
القاهرة كانت لسه بتفوق.
ريحة العيش الطالع من الأفران، صوت عربية فول بعيدة، وعمال بيرشوا
ركب عربيته القديمة العربية الوحيدة اللي كانت باسمه فعلًا وتحرك ناحية بيت أمه في البلد.
طول الطريق، كلام نادين كان بيرجعله.
إنت عالة.
أنا اللي شايلة كل حاجة.
روح عند أمك.
كل جملة كانت بتنزل عليه كأنها حجر.
وصل البيت وقت الضهر.
البيت القديم كان بسيط بس دافي.
ريحة الطبيخ طالعة من المطبخ، وصوت الراديو القديم شغال قرآن بهدوء.
أمه، أمينة، أول ما شافته فتحت الباب بسرعة.
حبيبي! جيت بدري ليه؟ وإنت مالك يا ابني؟ وشك أصفر كده ليه؟
ابتسم بالعافية مفيش يا أمي شوية ضغط.
بصتله الأم بعين الستات اللي بتفهم من السكات أكتر من الكلام، لكنها ما سألتش.
دخل لقى أخته سلوى قاعدة على الأرض وسط عدة وخوازيق خشب.
أهو الباشمهندس وصل أخيرًا! تعالى شوف المصيبة دي.
حاول يضحك، ونزل يشتغل معاهم.
وأول مرة من شهور حس إنه بيتنفس.
الشمس، التراب، صوت الديوك، هزار سلوى
كل ده حسسه إنه بني آدم طبيعي، مش مجرد ضيف تقيل في شقة متقفلة بالمفتاح الإلكتروني.
وهو بيدق أول مسمار في السور، أمه قالت فجأة أبوك كان بيحب الشغل بإيده زيك.
إيده وقفت لحظة.
قالت وهي باصة للأرض كان دايمًا يقول إن الراجل اللي يعرف يبني حاجة بإيده عمره ما يبقى فاشل.
بلع ريقه بالعافية.
بعد العصر، وهو بيطلع حاجات قديمة من المخزن عشان يصلح الباب، لمح
فتحه.
صور قديمة ملفات وأوراق صفراء.
وفجأة، اسم شد انتباهه.
فاروق الجندي.
قلبه دق بعنف.
طلع ورق أكتر بسرعة.
عقود.
إيصالات.
مكاتبات.
وكان واضح جدًا إن الحاج فاروق ماكنش مجرد منافس لأبوه
الراجل كان متعمد يوقعه.
في ورقة فيها توقيع يثبت إن فاروق اشترى ديون الورشة باسم شركة وهمية وبعدها ضغط على الموردين عشان يقطعوا التعامل مع أبوه.
إيده بدأت ترتعش.
وفي ظرف صغير قديم، لقى جواب بخط أبوه.
لو كريم كبر في يوم وقرا الورق ده أحب يعرف إني ما سكتش خوف. أنا سكت عشان عيالي. الناس اللي معاها فلوس تقدر تدفن أي حد، وأنا خوفت عليكم.
كريم قعد على الأرض.
حاسس إن الهوا اختفى من حوالينه.
أبوه كان عارف كل حاجة.
وعمره ما قاله.
سمع صوت أمه وراه لقيت الصندوق؟
بصلها بصدمة إنتِ كنتِ عارفة؟
تنهدت أمينة وقعدت على الكرسي الخشب القديم.
أبوك قبل ما يموت وصاني محدش يفتح الموضوع. قال كفاية اللي راح.
بس الظاهر إن الزمن بيرجع يلف تاني.
رفع عينه ليها يعني نادين عارفة إن أبوها عمل كده؟
سكتت شوية قبل ما تقول معرفش بس البت دي طول عمرها عايشة بعقل أبوها.
شايفة إن الفلوس هي اللي بتدي القيمة للبني آدم.
الكلام خبطه في قلبه.
لأنه لأول مرة يسأل نفسه السؤال الحقيقي
هو كان بيحب نادين فعلًا؟
ولا كان طول عمره بيحاول يثبت لنفسه
بالليل، موبايله رن.
اسم نادين ظهر على الشاشة.
فضل يبص للموبايل ثواني طويلة قبل ما يرد.
صوتها كان بارد إنت فين؟
عند أمي.
كويس.
يبقى خليك هناك كام يوم لحد ما نهدي.
سكت.
ثم قال لأول مرة بنبرة مختلفة نادين إنتِ عمرك سألتي نفسك فلوس أبوكي جات إزاي؟
الصمت اللي جه بعدها كان تقيل.
تقيل لدرجة إنه حس إنه سامع نفسها.
ثم قالت بحدة تقصد إيه؟
بص على الورق اللي قدامه، وعلى جواب أبوه المرتعش.
وقال بهدوء مرعب أقصد إن فيه كلام لازم يتحكي وحساب قديم لسه ما اتقفلش الصمت فضل معلق بينه وبين نادين ثواني طويلة.
ثم سمع صوتها، أهدى لكن أخطر كريم إنت بتلمّح لإيه بالظبط؟
بص للورق قدامه مرة تانية.
الأختام القديمة.
إمضا أبوه.
وإمضا الحاج فاروق.
كل حاجة بقت واضحة بشكل موجع.
قال ببطء أبوكي ماكسبش هو سرق حياة ناس كاملة.
ضحكت ضحكة قصيرة باردة من الناحية التانية. أرجوك ما تبدأش دور الضحية. البيزنس كله كده.
الجملة نزلت عليه كأنها صفعة.
نفس الجملة تقريبًا اللي كان أبوها بيقولها زمان الشغل شغل.
وقتها فهم الحقيقة اللي كان بيهرب منها سنين.
نادين عمرها ما كانت بعيدة عن أبوها.
هي كانت النسخة الأهدى منه النسخة المتعلمة اللي بتلبس شيك وتتكلم بهدوء، لكن جواها نفس القسوة.
قال
يعني إيه؟
يعني كل حاجة خلصت يا نادين.
ولأول مرة، هي اللي سكتت.
كأنها ما كانتش
متابعة القراءة