فرحة منكسرة كاملة بقلم انجي الخطيب
إنتَ مبقاش ليك حق في فلوسي تاني! قالتها مراته ببرود وهي واقفة قدامه.
الشقة دي باسمي والعربية باسمي برضه. روح بقى عند أمك خليها تصرف عليك!
كانت الشقة متوضبة زيادة عن اللزوم، كأنها شقة عرض في معرض موبيليا.
كل حاجة بتلمع الرخام، الإزاز، تفاصيل الكروم. الكنبة متعدلة بالملي، ولا ذرة تراب باينة.
المكان هادي بشكل يخنق، كأن محدش عايش فيه أصلًا، وكأنه مستني ناس تزوره وخلاص.
كان كريم واقف قدام البلكونة الزجاج الكبيرة، باصص على القاهرة بالليل.
نور العربيات تحت عامل زي نجوم غريبة تايهة وسط الزحمة.
وفجأة سمع صوت المفتاح في الباب.
صوت كعبها على الباركيه وصوت شنطتها وهي بترميها بسرعة في الركنة.
دخلت نادين الصالة من غير حتى ما تبصله.
عينها كلها على الموبايل، وصوابعها بتتحرك بسرعة فوق الشاشة.
قال بهدوء وهو بيحاول يفتح كلام طبيعي عندك امتحانات للدفعة الجديدة بكرة؟
همهمت وهي تفتح اللابتوب على السفرة ممم عندي تقرير لازم يخلص. مش دلوقتي يا كريم.
قرب منها شوية.
كان جواه فرحة صغيرة عايز يشاركها معاها.
تتخيلي؟ عندي طالب اسمه يوسف الولد الهادي اللي بيقعد آخر المدرج دايمًا خد المركز الأول على الجمهورية في الأولمبياد العلمي.
أنا كنت مؤمن بيه من زمان بس اللي عمله النهارده كان معجزة بجد.
ابتسم وهو مستني يشوف أي لمعة اهتمام في عينيها حتى لو مجاملة بسيطة.
رفعت
وشها مرهق وبارد.
حلو جدًا باركله من ناحيتي.
قالتها بنفس نبرة مذيعة النشرة الجوية، وبعدين رجعت تبص للشاشة بس بالله عليك يا كريم، مش ناقصة حماس دلوقتي. دماغي هتنفجر. الدنيا مش واقفة على الطالب العبقري بتاعك.
حس إن فرحته اتكسرت قدامه في ثانية.
كأنها إزازة وقعت واتفتت على الأرض.
قال بصوت واطي أنا بس كنت عايز أشاركك الموضوع فرق معايا.
فرق معاك إنت.
أما أنا اللي فارق معايا إني أخلص الشغل ده قبل الصبح. كل واحد وليه أولوياته.
رجع وقف عند البلكونة تاني.
قدام النجوم الغريبة بتاعة العربيات.
في الشقة الفخمة دي محدش كان محتاج فرحته.
كانت حاجة مالهاش مكان وسط النظام البارد المتحسب بالملي.
حتى ريحة المكان خليط بين المطهرات وبرفان نادين الغالي كانت خانقاه.
الشقة اللي المفروض بيته كانت ريحتها وحدة.
الويك إند جه.
صبح السبت، كريم كان واقف يعمل قهوة في المطبخ الكبير اللي شبه المعمل.
نادين قاعدة قدام التابلت من بدري، لابسة البيزنس سوت حتى وهي في البيت.
قال وهو بيحط الكوباية قدامها أمي كلمتني السور بتاع البيت في البلد هيقع، وعايز يتصلح. قولتلها هنروح النهارده.
شدت جسمها بضيق من غير ما تبصله.
عندي ميتنج الساعة ١٢ وبعده هخلص البرزنتيشن بتاع الاثنين. مفيش نزول بلد.
يا نادين، نروح بعد الميتنج. ساعتين ونرجع.
إنتِ كنتي بتحبي تروحي عندها
ردت ببرود زمان. دلوقتي عندي أولويات تانية. والمفروض يبقى عندك إنت كمان.
أخد نفس طويل يحاول يهدى دي أمي يا نادين. ست كبيرة ومستنيانا.
رمت التابلت على الترابيزة بعصبية، فالصوت دوّى في المطبخ.
يعني إيه مستنيانا؟ أسيب شغلي وأنزل أشيل طين وزرع؟
أنا عندي حياة يا كريم! عندي مسؤوليات!
ولا إنت نسيت إحنا عايشين بفلوس مين أصلًا؟
فلوس مين اللي مخلياك تعيش دور الدكتور المثالي وإنت مرتاح، وأنا اللي شايلة البيت والقروض والعربية وكل حاجة؟
كأنها سكبت عليه تلج.
وإيه علاقة الفلوس بأمي دلوقتي؟
علاقتها إنك لازم تفوق لنفسك بقى!
إنت عندك أربعين سنة ولسه بتجري على مامتك تدق مسمار؟
بص لدفعتك بقوا رجال أعمال ومديرين شركات، وإنت لسه بتفرح عشان طالب خد مركز!
قامت واقفة، وعينيها مليانة احتقار بارد.
أنا تعبت من شيلتك.
تعبت من إحساس إني شايلة راجل مش عارف يواكب الحياة.
البيت عليا العربية عليا كل حاجة عليا!
وإنت عايش في عالم المحاضرات والمسابقات كأن بكرة هيحل نفسه لوحده!
نادين كفاية.
لا، مش كفاية!
إنت عايز تروح عند أمك؟ ممتاز. روح.
روح ومترجعش.
مشت ناحية الشنطة الجلد بتاعتها، طلعت مفاتيح، ورمتهم قدامه بعنف.
إنت مبقاش ليك حق في فلوسي تاني.
الشقة دي باسمي والعربية باسمي.
روح عند أمك خليها تصرف عليك وتأكلك وتشربك.
كريم اتجمد مكانه.
بص للمفاتيح على الترابيزة
الكلام مكانش خناقة.
ولا لحظة غضب عابرة.
الكلام ده كان إعدام.
كأنها مسحت عشر سنين جواز بجملة واحدة وحولته لشحات عايش على فلوس مراته.
مقدرش يرد.
ولا حتى يزعق.
لف ومشي من المطبخ وسابها وسط الصمت البارد بتاع الشقة.
وكان حاسس إن الأرض بتتهز من تحته.
دي ماكنتش خناقة.
دي كانت نهاية جواز.
أوضة الفندق الاقتصادي كانت ضيقة ومكتومة.
ريحة السجاد القديم والمطهرات مالية المكان.
كان كريم قاعد على طرف السرير، وباصص للحيطة.
كلام نادين لسه بيرن في ودنه
روح عند أمك خليها تصرف عليك.
حس بوشه بيحرقه من الإهانة.
وبعدين صورة قديمة طلعت في دماغه.
مش نادين الباردة بتاعة النهارده
لأ نادين زمان.
بنت كلية تجارة في سنة تالتة، عينيها مليانة شغف، وبتقف بعد المحاضرة تناقشه بالساعات.
أنا نفسي أفهم الاقتصاد الحقيقي مش كلام الكتب وخلاص.
وقتها كان معجب بذكائها وحماسها.
حاسس إنه لقى حد شبهه.
راحوا فين كل ده؟
مرر إيده على وشه بتعب.
وأفكاره راحت للشقة للشقة اللي نادين قالت عنها شقتي.
صح الفلوس أغلبها كانت منها.
بس الفلوس دي أصلها إيه؟
افتكر أبوها الحاج فاروق.
الراجل اللي عمره ما ارتاحله.
صوته المتعالي، طريقته وهو بيبص للناس من فوق، شغله الغامض اللي بيجيب ملايين.
وجزء كبير من فلوس نادين كان ورث منه.
وفجأة موبايله رن.
كانت أخته سلوى.
كريم، متنساش إحنا رايحين
حاضر جاي.
سكتت شوية وبعدين قالت على فكرة عم سيد شاف عربية شبه عربية الحاج فاروق