السر الخفي حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

الست راحت تزور قبر ابنها... بس شافت واحدة غريبة راكعة قدام قبر ابنها وماسكة بيبي وبتقول كلام كسر قلبها.
إلهام السيوفي عمرها ما مشيت وراسها في الأرض.
محصلش لما دخلت اجتماع كله رجالة كانوا بيتمنوا يشوفوها بتقع.
ومحصلش لما الجرايد طلعت حكايات وكدب على عيلتها.
ولا حصل يوم الثلاث الضلمة ده لما راحت لوحدها مدافن العيلة اللي ابنها الوحيد مرتاح فيها.
ياسين السيوفي.
وريث العيلة.
فخرها.
الولد اللي ربيته وسط العز والانضباط والسكوت.
الابن اللي مدفون بقاله سنة.
إلهام نزلت من العربية من غير سواق ومن غير حرس ولا حتى مساعدين.
مكانش معاها غير بوكيه ورد أبيض وحزن تقيل لدرجة إن كل فلوسها معرفتش تشيله عنها.
المدافن كانت فاضية تقريباً.
الهوا كان بيحرك الشجر وبيرمي ورق الشجر الناشف على الأرض.
صوت جزمتها كان عالي أوي.
كأن الدنيا كلها بتتهمها.
سنة كاملة.
طناشر شهر من وقت المكالمة بتاعة الفجر ديك.
طناشر شهر من ساعة ما صوت غريب قالها إن ياسين مات في حادثة لوحده على طريق السخنة من غير ما يودع حد.
إلهام ضمت الورد على صدرها.
عمرها ما عيطت قدام حد.
بس مفيش كاميرات هنا.
ولا مجلس إدارة.
ولا اسم عيلة لازم تحميه.
مجرد أم جاية متأخرة تاني.
لما قربت من حوش العيلة وقفت مكانها.
في حاجة غلط.
في حد واقف قدام قبر ياسين.
بنت صغيرة راكعة على الأرض.
كانت لابسة لبس

شغل بتاع جرسونة قديم وشوز دايب وشعرها ملموم أي كلام كأنها نزلت من البيت من غير ما تفكر.
وفي حضنها كانت شايلة بيبي ملفوف في كوفرتة خفيفة.
إلهام نفسها اتكتم.
البنت كانت بتعيط في سكات.
مكانش عياط فيه منظرة.
كان أوحش من كدة.
كان العياط المكسور بتاع حد مابقاش فيه حيل حتى يطلب المساعدة.
بعد كدة الغريبة دي وطت براسها على الرخام.
وهمست
سامحني يا سونو... أنا عملت كل اللي أقدر عليه. بس مابقتش عارفة أحميه إزاي أكتر من كدة.
إلهام حست بدمها بيقف في عروقها.
سونو.
محدش بره العيلة كان بيدلع ابنها كدة.
خدت خطوة لقدام.
البنت مسمعتهاش.
بست راس البيبي واتكلمت تاني وصوتها بيترعش.
كان نفسي تشوفه... ولو حتى مرة واحدة. كان نفسي تشيله في حضنك قبل ما تمشي.
الورد وقع من إيد إلهام على الأرض.
الصوت خلى البنت تتلفت بسرعة.
عينيها كانت حمراء.
ومرعوبة.
وحاسة بالذنب.
إلهام وقفت مكانها شيك وشاحبة زي تمثال هيتكسر.
أنتي بتعملي إيه هنا؟ سألتها.
صوتها مكانش حزين.
كان تلج.
البنت قامت بصعوبة وهي ضامة البيبي على صدرها.
أنا آسفة... مكنتش قاصدة أضايق حضرتك. أنا بس كنت محتاجة آجي النهاردة.
دي مقابر خاصة.
أنا عارفة.
يبقى عارفة إنك مكنش ينفع تكوني هنا.
البنت وطت عينيها في الأرض.
البيبي طلع صوت زنة صغيرة كأنه هو كمان حاسس بالخطر اللي في الجو.
إلهام ركزت في وشها.
كانت
صغيرة أوي.
ممكن أربعة وعشرين سنة كدة.
إيديها كانت خشنة وشفايفها ناشفة وكانت رفيعة أوي لدرجة إن ده كان شكل جوع مش موضة.
بس مش ده اللي وجع قلبها.
اللي وجعها كان البيبي.
البيبي ده كان عينيه رمادي.
نفس العينين اللي كانت عند ياسين وهو صغير.
إلهام بلعت ريقها.
أنتي مين؟
البنت ترددت.
وثانية السكوت دي عصبت إلهام أكتر من أي رد.
أنا سألتك سؤال.
اسمي ليلى، قالتها أخيراً. ليلى عمران.
إلهام كشرت.
الاسم مكنش ليه أي معنى عندها.
وده قلقها أكتر.
أنتي كنتي تعرفي ابني؟
ليلى غمضت عينيها لما سمعت كلمة ابني.
كأن الكلمتين دول وجعوها بجد.
أيوة.
كنتي شغالة عنده؟
لأ.
أمال كنتي إيه؟ موظفة؟ حد كان بياخد منه فلوس؟ واحدة من اللي بيظهروا لما بيحبوا يستغلوا اسم عيلته؟
ليلى رفعت راسها.
مبقتش بس خايفة.
بقى باين عليها الوجع كمان.
أنا عمري ما طلبت من ياسين حاجة.
إلهام خدت خطوة كمان.
متقوليش اسمه كأن ليكي حق فيه.
البنت مسكت في كوفرتة البيبي.
أنا كان ليا حق أكتر مما تتخيلي.
الجو اتغير.
إلهام حست بضربة في صدرها مش شايفاها.
فهميني تقصدي إيه.
ليلى بصت للرخامة بتاعة القبر.
وبعدين للبيبي.
وبعدين للست القوية اللي واقفة قدامها.
ياسين كان بيحبني.
إلهام ضحكت ضحكة ناشفة مفيهاش أي فرحة.
ابني كان خاطب.
أنا عارفة.
ابني مكنش هيخبي حاجة زي دي عن أهله.
ليلى بصت لها بحزن غريب.

لأ، خبا.
إلهام قربت منها أوي لدرجة إن ليلى رجعت خطوة لورا.
خلي بالك من الكلام اللي بتقوليه.
أنا مجيتش هنا عشان أتخانق.
يبقى تمشي.
مش قادرة.
ليه؟
ليلى بصت للبيبي تحت.
دموعها نزلت على الكوفرتة.
إلهام حست إن الدنيا بتضيق عليها.
الطفل فتح عينيه.
رمادي.
صافي.
مستحيل.
ليلى خدت نفس عميق كأنها بتستعد لضربة هتاخدها.
وقالت
عشان البيبي ده يبقى ابن ياسين.
صوت إلهام راح خالص.
المدافن كلها كأنها بتغرق تحت رجليها.
ليلى مدت إيدها في جيب لبس الشغل وهي بتترعش وطلعت ظرف مطبق.
وقبل ما يموت... ساب ليكي ده.
إلهام بصت للظرف.
على الظهر كان فيه جملة مكتوبة بخط إيد ابنها
لو أمي عرفت الحقيقة في يوم من الأيام، هيبقى عشان مابقتش قادر أحميكي أكتر من كدة.
إيه الحقيقة اللي ياسين خباها قبل ما يموت؟
وليه كان خايف إن أمه هي اللي تعرف؟
إلهام مديت إيدها وهي بتترعش وسحبت الظرف من إيد ليلى كأنها بتسحب قنبلة موقوتة وفتحت الورقة اللي جوه بعنف وهي مش مصدقة وعينيها زايغة بين الكلام المكتوب وبين الست اللي واقفة قدامها بكسرة النفس دي ياسين كان كاتب يا أمي أنا عارف إنك مش هتقبلي بليلى عشان مش من مستوانا وعارف إنك كنتي هتدمريني لو عرفتي إني اتجوزتها بس ليلى هي اللي خلتني أحس إني بني آدم مش مجرد آلة لجني الفلوس واللقب والطفل ده هو اللي فاضل مني أرجوكي يا أمي لو مت متموتيش
ابني بجمود قلبك إلهام حست إن الأرض بتلف بيها وسندت بضهرها على رخام القبر وهي بتنهج وقالت بصوت طالع بالعافية يعني ابني عاش سنة
 

تم نسخ الرابط