وثيقة الوصاية كامله حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

اليوم خلص فجأة، زي ما دايما بيحصل في أواخر الخريف. الدنيا بره كانت ليل من بدري، ونور العواميد راسم ضل طويل وبهتان على الحيطة. جنة دوست على المفتاح، ونور الأباجورة الهادي ملى الصالة وطرد سواد الليل. قلعت جزمتها ووقفت للحظة بتسمع سكون الشقة.. مش السكون اللي يريح القلب، لا، ده كان سكوت تقيل ومشدود، زي الجو اللي بيسبق العاصفة.
صوت المفاتيح في الباب أنقذها من تفكيرها. التكة اللي حافظاها، وتزييقة الباب.. ودخل أحمد. وجوده دايما كان بيدي طاقة للمكان، كأنه بيملا كل ركن في البيت بشخصيته. بس النهاردة كانت طاقته غريبة.. هادية زيادة عن اللزوم، ورسمية بزيادة.
مساء الخير، قالها وهو بيعلق الجاكيت بتاعه بحركته المعتادة الرزينة، أنا مقتول من التعب.
قربت عشان تبوس خده، بس هو كان سبقها على السفرة وهو بيحط شنطته. بوستها كانت سريعة، ميكانيكية، ملحقتش تلمس وشه.
أغرف لك العشا؟ سألته وهي حاسة بنغزة وجع بسيطة في قلبها.
بعدين.. في موضوع مهم لازم نتكلم فيه الأول.
قعد على الكرسي وريح ضهره. ملامحه كانت جامدة، زي ملامحه في اجتماعات الشغل. مفيش ابتسامة، ولا حتى لمحة من الحنية اللي متعودين عليها بالليل.
جنة، أنا فكرت في كل حاجة.. إحنا محتاجين نأصّل وضعنا المادي.

نطق الكلمة بأسلوب بيزنس بحت، حاجة دايما كانت بتستفزها.. كأن الكلام العادي مش كفاية عشان يوصل الفكرة.
نأصل وضعنا؟ ردت وهي بتقعد ببطء على الكنبة قدامه، هو إحنا في أزمة؟ إحنا بندفع أقساطنا في ميعادها.
مش دي النقطة. شاور بإيده كأنه بيطرد دبانة مضايقاه، الموضوع موضوع إدارة رشيدة. إنتي عارفة إنك شخصية خيالية، مابتفكريش بمنطق في الأمور دي. وأنا شغلي واخد كل وقتي، مش هقدر أفضل أراقب المصاريف طول الوقت.
جسمها قشعر من كلامه. في قاموسه، كلمة خيالية ومش منطقية كانت بتوصلها كأنها شتيمة.
قصدك إيه يا أحمد؟
سكت لحظة، وطلع ورقة مطبقة من جيب الجاكيت وحطها على الترابيزة بينهم، كأنه بيرمي ورقة قمار. كانت ورقة بيضاء، باردة، وغريبة عنها.
جنة، دي بيانات الحساب البنكي بتاع والدتي، قالها بنبرة ممسوحة من أي إحساس. هتقدمي طلب لشؤون العاملين عندكم عشان مرتبك يتحول عليها.. هي أدرى واحدة إزاي تدير الفلوس.
في الأول المعنى موصلش لعقلها. الكلام كان كأنه طلاسم، شوية أصوات مكركبة. بصت لوشه اللي زي الصنم، وللورقة، ولإيده اللي محطوطة بهدوء على ركبته. وفجأة جملة مرتبك اتخبطت في كلمة والدتي، وحاجة في دماغها نورت.. نور هادي بس ملوش رجعة.
كانت ممكن تتوقع أي حاجة.. مشاكل
في الشغل، يطلب منها سلفة، حتى كلام عن الخلفة.. لكن ده؟ ده محصلش حتى في أسوأ كوابيسها. الصالة اللي كانت دايما أمانها، الكتب اللي على الرفوف، صورتهم في إسكندرية، الكنبة اللي اختاروها سوا.. كل ده بقى باهت. محصلش انفجار، لا، المكان بدأ يدوب في صمت، ومن بين الشقوق دي دخل ريح برد وتلج.
سكون تقيل ولزج زي القطران ملى الأوضة. فضلوا كده دقيقة، أو يمكن دهر. بصت في عينيه بتدور على أي لمحة جنون، أي إشارة إنه بيهزر هزار بايخ. بس وشه فضل زي الحجر. وفجأة طلعت منها ضحكة.. ضحكة قصيرة وحادة. ضحكة عدم تصديق، ضحكة وجع.
إنت بتتكلم جد؟ صوتها كان بيترعش، عايزني.. أدّي شقايا وتعب مرتبحي لأمك؟
أنا بقترح حل لتنظيم ميزانيتنا، صححلها بضيق، كأنه بيشرح بديهيات لطفل مابيفهمش. دي إجراءات مؤقتة، لحد ما نتعلم إزاي ندير مصاريفنا بحكمة.
مصاريف إيه؟ وقفت وهي بتضغط على إيدها بقوة، ميزانية إيه يا أحمد؟ أنا اللي بشتري الأكل، واللبس، وبدفع مصاريف كورساتي! عمري ما طلبت منك مليم عشان دهب ولا خروجات مع صحابي! أنا شايلة البيت ده معاك!
شايلة؟ رد بسخرية حرقتها أكتر من الزعيق، شايلة فلوسك في مكياج ملوش لازمة، وفي لبس بتلبسيه مرتين، وفي.. في شوية الورق ده. شاور ناحية رفوف كتب الديكور
بتاعتها. والشهر اللي فات؟ الدهانات الجديدة عشان زهقتي من اللون؟ هو ده استثمارك في مستقبلنا؟
كل كلمة كانت زي الكرباج. كان بيرمي في وشها كل تفصيلة صغيرة مكنتش تتخيل إنه واخد باله منها، ودلوقتي بيحولها لاتهام.
دي حياتي! صرخت فيه، ودي فلوسي، اللي بتعب فيها! أنا مش عايشة عالة عليك!
عمري ما قلت إنك عالة. بس إنتي مابتفهميش في الإدارة. أمي شافت كتير في الدنيا، وعارفة قيمة القرش. هي اللي هتساعدنا نحوش، ونعمل أرضية صلبة للي جاي.
أرضية صلبة؟ همست بقهر، ولا سجن صلب؟ يعني المفروض أحاسبك على كل كوباية قهوة بشتريها؟ أخد الإذن عشان أجيب قلم روج؟ أنا مراتك يا أحمد! مش موظفة عندك ولا طفلة قاصر محتاجة وصي!
قام وقف هو كمان، وهدوءه بدأ يتهز، وبانت غضون الغضب على قورته.
أنا بفكر فينا! في مستقبلنا! مش عايزين ولاد؟ أيوه. يبقى محتاجين شقا عمر. شقا حقيقي، مش رمي فلوس في الهوا. أمي هتساعدنا نكون منضبطين.
منضبطين؟ ردت بابتسامة مكسورة، عايز أمك تتحكم فيا؟ أبقى تحت رحمتها؟ يا حماتي، ممكن أخد من فلوسي اللي تعبت فيها عشان أجيب لبس؟
كفاية دراما بقى وقلة عقل! صوته بقى حاد وعالي، قرب منها وضله غطاها بالكامل. إحنا بنتكلم في حل عقلاني وبسيط. لو بتحبيني وعايزة المركب
تمشي، هتوافقي.. ولا نزواتك
تم نسخ الرابط