وقت الشدة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

أهلي رفضوا يشيلوا بنتي اللي عندها سنتين وأنا داخلة أعمل عملية قلب مفتوح طارئة.. إنتي طول عمرك غاوية لقطة وبتاعة دراما ده كان ردهم وهما بيختاروا يروحوا حفلة لمطرب مشهور مع أخويا.. فقررت أأجر مربية من جوه المستشفى، وفي نفس اللحظة وقفت ال 15 ألف جنيه اللي بدفعهم إيجار لشقتهم اللي في مصر الجديدة كل شهر بقالي ثماني سنين.. وبعدها الجراح قالي كلمة جمدت الدم في عروقي.
الموضوع مكنش يوم في السبا ولا فسحة، دي كانت جراحة قلب حياة أو موت.. النوع اللي بتلاقي فيه الدكاترة بيوطوا صوتهم، والممرضات بيتحركوا بلهفة مرعبة، والكل بيبص لك نظرة شفقة خايفة تخوفك أكتر ما إنتي مرعوبة.. كنت قاعدة على سرير المستشفى، الخراطيم في كل حتة والسلوك لازقة على صدري، وبنتي سلمى نايمة في حضني وماسكة دبدوبها.. جوزي الله يرحمه مات قبل ما هي تشرف الدنيا، ومكنش ليا ضهر ألجأ له غير أهلي.
طلبت أمي وأنا بحاول أمسك نفسي عشان مانهارش قدام البنت يا ماما، داخلة العمليات كمان شوية، محتاجة حد ياخد سلمى معاه يومين.. سكتت لحظة وطلعت تنهيدة وقالت يا نيرة، إنتي طول عمرك بتهولي المواضيع وعايزة تعيشي دور الضحية.. بصيت لستارة المستشفى بذهول وقلت يا أمي بقولك أنا في الرعاية

المركزة!.. ردت ببرود يفرس الدكاترة دلوقتي بيكبروا كل حاجة عشان يقلبوا الناس في فلوس، وبعدين إحنا ورانا مشاوير مهمة.. سألتها بمرارة مشاوير إيه اللي أهم من بنتك؟.. سمعت ضحكة أخويا باهر في الخلفية، وأمي وطت صوتها وقالت باهر جاب لنا تذاكر حفلة في الساحل، وتذاكر ال VIP مابتتكررش، وبكرة الصبح هنحرك.
مبقتش عارفة أنا سمعت صح ولا دي تخاريف بنج، همست لها بصوت مخنوق إنتي بتبدي حفلة ورقص على بنتك اللي بين إيدين ربنا؟.. زعقت فيا ماتلويش الكلام وتعملي فيها شهيدة، أخوكي تعب عقبال ما جاب التذاكر دي، وإنتي طول عمرك فاكرة إن الكون بيلف حواليكي.. بصيت ل سلمى وهي بتلون في الملاية ببراءة، مش عارفة إن الناس اللي بيصوروا معاها صور ست الحبايب وجدو السند على الفيسبوك قرروا إن حفلة وزمبليطة أهم من حياتها.. قلت لها بصوت هادي وواثق لأول مرة أنا اللي بدفع إيجار شقتكم اللي في مصر الجديدة.. سكتت خالص، بقالي ثماني سنين بدفع دم قلبي كل شهر عشان ميترموش في الشارع بعد ما تجارة بابا خسرت، وبدل ما يحمدوا ربنا، بقوا يسافروا ويغيروا موبايلات ويدلعوا باهر ويقولوا عليا نكدية لو طلبت منهم يسندوني.. قالت لي بغرور متهدديناش بفلوسك وإنتي في الحالة دي.. قلت
لها أنا مش بهدد، أنا بس فوقت.. وقفلت السكة.
بعد ساعة، طلبت مربية محترمة رشحتها لي ممرضة في القسم، ست طيبة وشها فيه قبول وحنان اسمها الست أمينة، جت ومسكت إيد سلمى وطمنتها، وهما بيجروا بالسرير بتاعي ناحية العمليات، الدكتور أحمد جراح القلب كان ماشي جنبي بوش مشدود، قرب من ودني وقال لي جملة خلتني أحس إن قلبي وقف فعلاً قبل المشرط ما يلمسه يا نيرة، قبل ما البنج يشتغل لازم تعرفي حاجة.. التحاليل بتقول إن حالة قلبك دي مش طبيعية، إنتي في جسمك سم بطيء مفعوله بيبان كأنه أزمة قلبية حادة.. استنوا حد كان بيحطلك حاجة في أكلك يا بنتي
فتحت عيني بصعوبة، ريحة البنج والمستشفى كانت كاتمة على نفسي، وأول حاجة جت في بالي كانت سلمى.. لفت وشي لقيت الست أمينة قاعدة في ركن الأوضة وبنتي نايمة في حضنها زي الملاك، نزلت دموعي من الراحة، بس فجأة افتكرت جملة الدكتور قبل ما أغيب عن الوعي سم بطيء.
الباب اتفتح ودخل الدكتور أحمد، كان باصص في الملف بتركيز ولما شافني فقت، سحب كرسي وقعد جنبي وقال بصوت واطي حمد الله على سلامتك يا نيرة، الجراحة نجحت.. بس اللي قلتهولك قبل ما تدخلي مكنش هلوسة، التحاليل أكدت وجود مادة ديجيتاليس بجرعات بسيطة بس مستمرة في دمك،
المادة دي بتسبب سكتة قلبية مع الوقت ومحدش بيشك في حاجة.. قوليلي، مين اللي بيجهزلك أكلك وشربك في البيت؟.
قلبي وجعني أكتر من جرح العملية، مفيش غير باهر أخويا، هو اللي كان بيصمم يجيلي كل يوم الصبح بالقهوة اللي بحبها، وكان دايماً يقولي انتي تعبانة يا نيرة ولازم ترتاحي، سيبيلي المطبخ.. كنت فاكرة إنه حنّ عليا، مكنتش أعرف إنه كان بيحفر قبري بإيده عشان يورث الشقة والفلوس اللي ببعتها لأمي كل شهر وتتحول له هو في الآخر.
طلعت موبايلي بإيد ترتعش، لقيت عشرات المكالمات الفايتة من أمي، بعتت رسالة واحدة على جروب العيلة أنا فوقت من العملية، ومن النهاردة مفيش مليم واحد هيتدفع في إيجار مصر الجديدة، والتوكيل العام اللي كنت عاملاه لباهر اتلغى رسمياً.. والمحامي بتاعي في طريقه للنيابة ومعاه تقرير المستشفى بالسم اللي كان بيتحطلي في القهوة.
الموبايل مبردش، فضل يضرب ويضرب، بس المرة دي كنت أنا اللي مش عايزة أرد.. بصيت للسقف وقولت يا رب لك الحمد، عرفت إن ربنا نجاني مش بس من الموت، لكن من تعابين كنت مأمناها على حياتي.. الست أمينة طبطبت على إيدي وقالت نامي يا بنتي وارتاحي، اللي معاه ربنا مبيتحنيش، غمضت عيني وأنا حاسة بسلام مكنتش دوقته من سنين،

تم نسخ الرابط