بنت الأصول حكايات انجى الخطيب
شنطة هدومه، زي ما خرجتني زمان. وقفت في نص الصالة، وشغلت قرآن بصوت هادي، وحسيت بروح ياسين بترفرف حواليا.
النهاردة، أنا وتالية بنقضي الصيف في بيتنا في مصر، البيت اللي بقى باسمها وبحقها. كريمة ماتت وحيدة، بس ماتت وهي عارفة إن الغريبة اللي كانت عايزة تطردها، هي الوحيدة اللي صانت شرف العيلة وعاشت بكرامتها. وتالية كل ما تكبر، بتشبه ياسين أكتر، ولما بتسألني عن تيتة كريمة، بقولها كانت ست قوية، بس الدنيا علمتها الدرس متأخر.
قفلت باب البيت ورايا وأنا خارجة أفسح تالية، وبصيت للسما وقلت العدل مش بس في الورق، العدل في القلوب يا ياسين.. وإحنا قلوبنا ارتاحت.
بعد سنتين، كنت واقفة في مطار القاهرة وبنتي تالية في إيدي، بس المرة دي مش هربانة ولا خايفة، أنا راجعة وأنا راسي في السماء. المتر صبري كان مستنيني، وأول ما ركبنا العربية قالي يا مريم، هاني وصل لمرحلة صعبة، والفلوس اللي كريمة سابتهاله اللي كانت فكة بالنسبة للي خدته تالية ضيعها كلها على الديون والمحاكم، ودلوقتي شغال أمن في شركة صغيرة، وعايش في أوضة فوق السطوح.
مردتش عليه، كنت باصة من الشباك على شوارع القاهرة اللي وحشتني. رحنا على بيت التجمع، البيت اللي بقى ملك بنتي. أول ما دخلت، ريحة ياسين كانت في كل ركن، بس المرة دي مكنش فيه غل ولا طمع. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، وتالية جرت في الصالة وهي بتضحك، نفس المكان اللي جدتها كانت واقفة فيه بتهددني بالرمي في الشارع.
المفاجأة كانت بليل، الباب خبط، فتحت لقيت هاني. كان لبسه مبهدل، ووشه دبلان، وقف بعيد وهو مش قادر يحط عينه في عيني. قالي بصوت مبحوح أنا مش جاي أطلب حاجة يا مريم.. أنا بس عرفت إنكم رجعتم، وكنت عايز أدي
طلع من جيبه سلسلة ذهب صغيرة فيها مصحف، كانت بتاعة ياسين وهو صغير، كريمة كانت مخبياها. قالي أمي قبل ما تموت قالتلي إن دي حق تالية، ومينفعش تفضل معايا.. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن الطمع عمانا، بس والله يا مريم أنا اتعاقبت بزيادة.
بصيت للسلسلة وخدتها منه، وقلتله بهدوء يا هاني، اللي فات مات، والمسامح كريم.. أنا مش هنسى إنك أخو جوزي، ولو في يوم احتجت حاجة عشان تبدأ حياتك صح ومن غير طمع، أنا موجودة، بس عشان خاطر دم ياسين اللي بيجري في عروق بنتي، مش عشانك.
سابني ومشي وهو بيمسح دموعه، وأنا قفلت الباب وحسيت إن كل الحسابات اتصفت.
أنا النهاردة مريم فريدل، سيدة أعمال ناجحة، وبنتي بتكبر قدام عيني في عز أبوها اللي سابهولها بالحلال. اتعلمت إن الحق مبيضعش، وإن اللي يبيع بالرخيص الدنيا بتدوقه طعم الرخص، واللي يشتري بالحب والأصول، ربنا بيفتحله أبواب مكنش يحلم بيها.
بصيت لصورة ياسين اللي متعلقة في صدر البيت، ولمست السلسلة اللي في رقبة تالية، وابتسمت وأنا بقول خلاص يا حبيبي.. مفيش ديون، مفيش طمع، ومفيش حد يقدر يفرقنا تاني.. إحنا كسبنا كل حاجة في الآخر.
مرت السنين وبقت تالية عروسة زي القمر، وفي يوم تخرجها من الجامعة، كانت واقفة بتكريمها وسط زمايلها وأنا قاعدة في أول صف، دموعي مش مبطلة تنزل، مش بس فخر بيها، لكن فخر إن الرحلة الصعبة دي وصلت لبر الأمان.
بعد الحفلة، وإحنا خارجين، لقيت راجل عجوز واقف بعيد، ساند على عكاز وهدومه بسيطة جداً بس نظيفة، عرفته على طول.. كان هاني. مشيت ناحيته وتالية ورايا مستغربة، أول ما شافنا عينيه لمعت بالدموع، مد إيده برعشة وناول تالية ظرف صغير وقالي بصوت واطي مبروك
تالية فتحت الظرف لقت فيه عقد ملكية لقطعة أرض صغيرة في طنطا، الأرض اللي كريمة كانت مخبياها وهاني فضل سنين يحارب في المحاكم عشان يثبت ملكيته ليها، بس لما كسبها، قرر يرجعها لصاحبة الحق. قالي وهو بيلف عشان يمشي دلوقتي بس أقدر أقابل ياسين وأنا مش مكسوف منه يا مريم.. سامحوني.
تالية بصتلي وسألتني مين ده يا ماما؟
أخدت نفس طويل وقلتلها ده يا بنتي واحد تاه في الطريق كتير، بس في الآخر عرف يرجع لربنا وللحق.. ده عمك.
رجعنا البيت، قعدنا في البلكونة الكبيرة والجو كان هادي وجميل، تالية مسكت إيدي وقالتلي يا ماما، أنتي تعبتي كتير أوي عشان توصلينا لهنا، أنا عرفت كل حاجة من المتر صبري.. عرفت إنك وقعتي على التنازلات زمان عشان تحميني، وعرفت إنك صبرتي على وجع ملوش آخر.
ابتسمت وطبطبت على إيدها وقلت يا بنتي، الصبر مر بس آخره حلو، والظلم مهما طال ليله، لازم الشمس تطلع وتفضح المستور.. أنا مكنتش عايزة غير إنك تكبري وانتي حاسة إن الدنيا فيها عدل، والحمد لله، ربنا محرجنيش.
في اللحظة دي، حسيت إن ياسين معانا، كأن روحه بتبتسم لنا من بعيد. قفلنا باب الحكايات القديمة بكل وجعها، وفتحنا صفحة جديدة، صفحة مفيهاش غير الحب، والرضا، واليقين بإن اللي مع ربنا عمره ما بيخسر، وإن الست المصرية الأصيلة هي اللي بتبني من الهدد صرح، ومن الدموع حياة.
وتوتة توتة، خلصت الحكاية، بس الأصول والعدل عمرهم ما بيخلصوا.
وبعد سنين طويلة، وفي ليلة فرح تالية، كانت القاعة منورة والكل فرحان، وتالية
طالعة زي الملكة في فستانها الأبيض. وأنا واقفة بوزع النظرات بين الفرحة ببنتاي وبين شريط ذكريات
في نص الفرح، لمحت هاني قاعد في ترابيزة بعيدة، مكسوف يقرب، بس كان لابس بدلة شيك ومسرح شعره اللي غطاه الشيب، وكأنه استرد جزء من كرامته اللي ضاعت زمان. شاورت له يجي، فقام وجيه وهو بيترعش، وقف قدام تالية، وطلع علبة قطيفة قديمة، فتحها ولقيت فيها خاتم كريمة اللي كانت بتعتز بيه ومبتلبسوش غير في المناسبات الكبيرة.
قال بصوت مخنوق ده كان وصية أمي ليكي يا تالية في يوم فرحك، قالتلي مهما حصل ومهما جارت الدنيا علينا، الخاتم ده ميروحش لغريب.. مبروك يا بنتي، وعوض ربنا فيكي كبير.
تالية باست راسه، وأنا حسيت إن دي كانت لحظة الختام الحقيقية. الجرح اللي انفتح من حداشر يوم بعد موت ياسين، اتقفل النهاردة بالتمام والكمال. هاني مشي وهو رافع راسه، وأنا وتالية كملنا الفرح وإحنا حاسين بنصر ملوش زي.
بعد الفرح ما خلص، رجعت شقتي الهادية، قعدت على الكرسي وبصيت لصورة ياسين، كان بيضحك لي من البرواز، قلته بصوت واطي اديني وفيت بالعهد يا ياسين، حافظت على بنتك، وصنت عرضك، ورجعت حقك بيدي مش بيد حد تاني، وعلمت الكل إن اللي يظلم مريم ويحاول يكسرها، بيلاقي ربه بالمرصاد.
في اليوم ده، نمت نومة مفيهاش حلم واحد، نومة إنسانة أدت رسالتها على أكمل وجه. الحكاية بدأت بمطبخ وصدمة ودموع، وانتهت ببيت مليان بركة وأصل طيب. الدنيا دي زي الساقية، اللي بتسقيه للناس النهاردة، هتشربه بكرة، وأنا الحمد لله سقيت حب وصبر، فحصدت عزة وراحة بال.
وهنا خلصت حكاية مريم، الحكاية اللي علمتنا إن الست مش بضعفها، الست بذكائها وأصلها، وإن ربنا دايمًا مع اللي بيسيب حقه لله، عشان ربنا بيرجعه له أضعاف مضاعفة وفي الوقت اللي يبرد فيه القلب.
تمت
حكايات انجى الخطيب