بنت الأصول حكايات انجى الخطيب
بعد حداشر يوم بس من دفنة جوزي، لقيت حماتي كريمة داخلة عليا المطبخ من غير ما تخبط، ومعاها ابنها الصغير هاني في ديلها، كانت لسة معاها نسخة مفتاح الشقة من سنتين فاتوا لما سافرنا وصممت تسقي الزرع ومن وقتها مرجعتوش، وقفت قدام رخامة المطبخ بكل برود وهي لابسة طقم رمادي شيك ولف طرحتها بالملي كأنها رايحة تحضر اجتماع مهم مش جاية تهد حياتي، وفي الوقت اللي كنت فيه لسة بشم ريحة بنتي تالية في كمومي من حمام امبارح وببص لبقعة القهوة اللي على الرخامة وبفتكر ياسين وهو واقف بياكل حلاوة طحينية من العلبة بالمعارقة في صمت الصبح، شاورت كريمة بصباعها للسقف وللحيطان وضربت الأرض بكعب جزمتها وقالت بصوت هادي يقطع القلب الشقة.. والشركة.. والحسابات.. وعربية ياسين.. كل ده يا مريم هاخده، مفيش حاجة هتفضل، إلا البنت طبعاً.. أنا مش مستعدة أربي عيال حد تاني، قالت كلمة البنت كأنها بتتكلم عن كيس زبالة عايز يتمسي، من غير ما تبص حتى لكوباية تالية البلاستيك اللي محطوطة في المصفى، وأنا واقفة ماسكة مج القهوة الساقع بإيدي الاتنين كأنه طوق نجاة وعقلي مش مستوعب الصدمة ووداني بتسمع وشوشة بعيدة، فجأة سمعت صوت تكة متر قياس في الصالة، كان هاني في أوضة الضيوف
أنا مشيت معاهم للآخر، قلبي كان مخلوع من مكانه بس عقلي كان في حتة تانية خالص، كريمة طلعت الورق من شنطتها وحطته قدامي على الرخامة وقالت بلهجة آمرة وقعي هنا يا مريم.. دي
أول ما الباب اتقفل، رحت جري على المكتب بتاع ياسين، فتحت الدرج السري اللي كان قايلي عليه، وطلعت ظرف مقفول بالشمع الأحمر مكتوب عليه لمريم وبس، فتحت الظرف وإيدي بتترعش، لقيت شيك بمبلغ 875 ألف دولار، ده غير بوليصة تأمين باسمي وباسم تالية، وياسين كاتب في ورقة صغيرة يا مريم، أنا عارف أمي كويس، الفلوس دي في حساب برا مصر باسمك ومحدش يقدر يلمس مليم منها، بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الفلوس، الصدمة كانت في ورقة تانية تحتها، كشف حسابات الشركة والديون اللي عليها، الشركة كانت غرقانة في ديون وقروض وصلت ل 520 ألف دولار، والمصالح الضرائب
فات تلات أسابيع وأنا قاعدة في شقة إيجار صغيرة وهادية مع بنتي، وفي ليلة، الساعة دقت اتناشر بالليل، تليفوني رن، بصيت لقيتها كريمة، رديت لقيت صوتها طالع بالعافية، بتشهق من كتر العياط وبتقول مريم.. إلحقيني يا مريم.. بتوع الضرائب والبنك هنا في البيت.. حجزوا على كل حاجة وطلعوا وصلات أمانة ياسين كان ماضيها للشركة.. بيقولوا لو مدفعناش نص مليون دولار هاني هيتسجن والشقة هتتباع في المزاد.. أنتي عملتي فينا إيه؟، سكت ثانية، بصيت لصورة ياسين اللي جنبي، وخدت نفس طويل وقلت لها ببرود أنا مابعتش يا حماتي، أنتي اللي اشتريتي.. ومبروك عليكي كل حاجة زي ما كنتي عايزة، وقبل ما تنطق بكلمة تانية، قفلت السكة في وشها لأول مرة في حياتي ونمت وأنا مرتاحة.
ليلتها نمت بعمق لأول مرة من يوم ما ياسين فارقنا، كأن الحمل اللي كان على صدري اتنقل لكتفها هي. الصبح بدري، لقيت هاني واقف تحت بيتي الجديد، وشه مخطوف وعينيه غارقة في السواد، أول ما شافني جرى عليا وقال بنبرة ذليلة مريم، أبوس إيدك، أمي هتروح فيها.. الشقة اللي في التجمع اللي كانت باسمها هي