بنت الأصول حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

البنك حط إيده عليها كضمان لديون الشركة، إحنا هنترمي في الشارع!
بصيت له بمنتهى الهدوء وأنا بظبط طرحتي، وقلت له مش ده يا هاني المتر اللي كنت بتقيس بيه أوض بيتي وجوزي لسة مدفون؟ مش دي الشركة اللي مامتك قالت إنها أولى بيها؟ اشبعوا بيها بقى.
سابني وقعد على الرصيف يلطم، وأنا ركبت عربيتي ورحت البنك. سحبت جزء من المبلغ اللي ياسين سابهولي، وحجزت تذكرتين طيران ليا ولتالية على دبي، قررت أبدأ حياة جديدة بعيد عن سمهم. قبل ما أسافر بيوم، رحت لها البيت، لقيت الحجز الأحمر على الباب، وهي قاعدة في وسط الصالة على كرتونة، لا شانيل ولا هيبة، مجرد ست مكسورة طمعها عماها.
رميت قدامها ورقة التنازل اللي وقعتها لي في المطبخ، وقلت لها ياسين كان عارف إنك هتعملي كدة، كان عارف إنك بتحبي القرش أكتر منه، عشان كدة سابلك الديون والورق، وسابلي أنا الأمان والحب.. الشيك ده ب ٥٠ ألف جنيه، يادوب يأجرولك أوضة وصالة بعيد عن هنا، وده آخر خيط يربطني بيكي.
خرجت وصوت صويتها لسة بيرن في ودني، بس المرة دي مكنش بيوجعني، كان بيطهرني. رحت المطار وتالية في إيدي، بصيت للسما وقلت يا حبيبي يا ياسين، حقك رجع، وبنتك في أمان. أول ما الطيارة بدأت تتحرك،
حسيت إن الغمامة اللي كانت مغطية عيني تلاشت، والشمس نورت حياتي من جديد، المرة دي بجد.
مرت الشهور في دبي وكأنها حلم جميل، بدأت مشروعي الصغير في تنظيم المعارض القانونية، مستغلة الخبرة اللي كسبتها من شغل السكرتارية وذكاء ياسين اللي ورثته منه بالمعاشرة. تالية بدأت تدخل مدرسة لغات، وبدأت ضحكتها ترجع تنور البيت من تاني، ونسينا تماماً كابوس كريمة وهاني.
وفي يوم، وأنا بقلب في أخبار الحوادث في الجرايد المصرية على النت، عيني وقعت على خبر صغير الحجز الإداري على معرض سيارات وشركة مقاولات متعثرة. كان هاني حاول يشغل اللي فاضل من فلوس أمه في تجارة العربيات، وبما إنه خايب وعمره ما شال شيلة، اتنصب عليه في أول صفقة، وبقت الديون ديونين، وكريمة باعت حتى دهبها اللي كانت بتتباهى بيه عشان تطلعه من قضية شيكات بدون رصيد.
تليفوني رن، رقم مصري غريب. رديت وقلبي مقبوض، جالي صوتها، بس المرة دي كان صوت عجوزة مكسورة، مفيش فيه ذرة الكبرياء بتاعة زمان مريم... سامحيني يا بنتي. إحنا بقينا في الأرض، وهاني مهدد بالسجن تاني. أنا مش طالبة فلوس، أنا بس عايزة أشوف حفيدتي، عايزة أشم ريحة ياسين فيها قبل ما أموت.
سكتت لحظة، افتكرت شكلها
وهي بتشاور بصبعها على سقف بيتي وبتقول هاخده، وافتكرت كلمة البنت اللي كانت طالعة من بؤها زي السم. قلت لها بصوت واثق ومستقر يا حماتي، تالية دلوقتي بتكبر في بيئة نظيفة، بعيد عن الطمع والجحود. أنا مش هحرمك منها للأبد، بس هحرمك من إنك تأثري على شخصيتها. لما تكبر وتفهم، هي اللي هتقرر لو عايزة تعرفك ولا لأ.
قفلت السكة وأنا حاسة إني قفلت آخر صفحة سوداء في كتاب حياتي القديم. بصيت لتالية وهي بتلعب بالعروسة بتاعتها وبتضحك، وقلت في سري نام مرتاح يا ياسين، أنا مش بس حافظت على فلوسك، أنا حافظت على بنتنا من نفس الوحوش اللي نهشت فيك وأنت حي.
فتحت الشباك، وهوا دبي الدافي لمس وشي، بصيت للأفق وابتسمت. الدنيا لفت، واللي افتكرت إنها ملكت كل شيء بصدمة وغدر، انتهى بيها الحال وهي مش لاقية حتى الذكرى اللي تواسيها، وأنا اللي سيبت كل حاجة لله، ربنا عوضني بأغلى من الفلوس... عوضني بالحرية وراحة البال.
بعد سنة كاملة من العيشة في دبي، تليفوني رن في ساعة متأخرة، بس المرة دي كان المحامي متر صبري، اللي كان صاحب ياسين وعارف كل الأسرار. صوته كان هادي ووقور وهو بيقولي يا مريم، البقاء لله وحده.. كريمة ماتت النهاردة الفجر.
الخبر نزل
عليا بهدوء غريب، لا شمت ولا فرحت، بس حسيت إن الدايرة اتقفلت خلاص. صبري كمل كلامه وقال هي سابت وصية يا بنتي، وصممت إن هاني ميعرفش عنها حاجة، وطلبت مني أسلمهالك إنتي بالذات.
نزلت مصر بعد يومين، والمرة دي دخلت بيت العيلة القديم في التجمع، البيت اللي كان محجوز عليه واتباع في المزاد، بس عرفت إن اللي اشتراه كان حد مجهول. لما دخلت، لقيت صبري مستنيني ومعاه مفتاح. قالي كريمة قبل ما تموت، كانت باعت حتة أرض ورثتها عن أهلها في طنطا من ورا هاني، واشترت البيت ده تاني باسم تالية ياسين فريدل وحطت البيت واللي فاضل من الفلوس في صندوق ائتماني متقدريش تتصرفي فيه إلا لما تالية تتم ٢١ سنة، والوصية بتقول يا مريم، أنا عرفت إن الفلوس اللي كنت هتموت عليها مكنتش هتسندني، وإن اللي صان اسم ابني وريحتُه هي أنتي.. سامحيني إني كنت عمية.
بصيت للحيطان اللي كانت بتشاور عليها بغل من سنة فاتوا، لقيتها متعلق عليها صور ياسين في كل مكان، وصورة صغيرة لتالية وهي بيبي. هاني كان قاعد في ركن في الصالة، شعره شاب وشكله كبر عشرين سنة، بصلي بكسرة وقال أمي ماتت وهي بتنطق اسم ياسين وتالية.. أنا مليش مكان هنا يا مريم، أنا ماشي.
خرج هاني من البيت
وهو مش معاه غير
تم نسخ الرابط