بنت الأصول حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

بعد حداشر يوم بس من دفنة جوزي، لقيت حماتي كريمة داخلة عليا المطبخ من غير ما تخبط، ومعاها ابنها الصغير هاني في ديلها، كانت لسة معاها نسخة مفتاح الشقة من سنتين فاتوا لما سافرنا وصممت تسقي الزرع ومن وقتها مرجعتوش، وقفت قدام رخامة المطبخ بكل برود وهي لابسة طقم رمادي شيك ولف طرحتها بالملي كأنها رايحة تحضر اجتماع مهم مش جاية تهد حياتي، وفي الوقت اللي كنت فيه لسة بشم ريحة بنتي تالية في كمومي من حمام امبارح وببص لبقعة القهوة اللي على الرخامة وبفتكر ياسين وهو واقف بياكل حلاوة طحينية من العلبة بالمعارقة في صمت الصبح، شاورت كريمة بصباعها للسقف وللحيطان وضربت الأرض بكعب جزمتها وقالت بصوت هادي يقطع القلب الشقة.. والشركة.. والحسابات.. وعربية ياسين.. كل ده يا مريم هاخده، مفيش حاجة هتفضل، إلا البنت طبعاً.. أنا مش مستعدة أربي عيال حد تاني، قالت كلمة البنت كأنها بتتكلم عن كيس زبالة عايز يتمسي، من غير ما تبص حتى لكوباية تالية البلاستيك اللي محطوطة في المصفى، وأنا واقفة ماسكة مج القهوة الساقع بإيدي الاتنين كأنه طوق نجاة وعقلي مش مستوعب الصدمة ووداني بتسمع وشوشة بعيدة، فجأة سمعت صوت تكة متر قياس في الصالة، كان هاني في أوضة الضيوف

بيقيس مساحة الحيطة عشان يفرش مكاني، أنا مريم، كان عندي تلاتين سنة وعايشة في شقة في المعادي، بنت ممرضة وميكانيكي من طنطا، كنت شغالة سكرتارية قانونية برتب على قد حالي لحد ما دخل ياسين المكتب بهيبته وضحكته اللي بتنور الوش، وكسرت عشانه كل قواعدي واتجوزنا، ياسين كان محامي شاطر وعنده ضمير، ولما قرر يفتح مكتبه الخاص كريمة ساعدته بمبلغ وسمته سلفة بس كانت بتعايره بيه في كل عزومة عيلة وتقول أنا اللي وقفت جنب ابني لما الكل خذله، أول مرة قابلتها في بيتهم في التجمع سميتني مرات ياسين الأولى، كأني حاجة مؤقتة في حياته، وفضلت سبع سنين بتعاملني كأني ضيفة تقيلة مش من مستواهم، وياسين مات فجأة يوم خميس وهو في مكتبه، قلبه وقف وهو بيشرب قهوته، وفي الجنازة كانت كريمة لابسة نظارة سوداء غالية وبتقبل العزا كأنها بتلم أرباح، حضنتني وقالتلي إحنا جنبك بس بنبرة خوفتني، ودلوقتي بعد حداشر يوم بس جاية تطردني أنا وبنتي من البيت عشان تاخد كل مليم سابه ياسين وتنفذ تهديدها القديم.
أنا مشيت معاهم للآخر، قلبي كان مخلوع من مكانه بس عقلي كان في حتة تانية خالص، كريمة طلعت الورق من شنطتها وحطته قدامي على الرخامة وقالت بلهجة آمرة وقعي هنا يا مريم.. دي
تنازلات عن كل حاجة، الشركة والشقة والعربية، ياسين الله يرحمه كان ابني والفلوس دي فلوسي من الأول وأنا أولى بيها، بصيت في عينيها لقيت جحود مش طبيعي، بصيت لهاني وهو لسة شغال يقيس في الطرقة كأنه بيقسم ورثة حد غريب مش أخوه اللي لسة ترابه منشفش، مسكت القلم ووقعت، وقعت على كل ورقة وهي بتبصلي بانتصار وشماتة، كأني كنت حمل وانزاح عن كتافها، لمت الورق في شنطتها وطلعت المفتاح من جيبها وقالت قدامك أسبوع تلمي هدومك وهدوم بنتك وتفضلي الشقة، وخرجت هي وابنها وهما بيضحكوا ضحكة مكتومة، كأنهم كسبوا اليانصيب.
أول ما الباب اتقفل، رحت جري على المكتب بتاع ياسين، فتحت الدرج السري اللي كان قايلي عليه، وطلعت ظرف مقفول بالشمع الأحمر مكتوب عليه لمريم وبس، فتحت الظرف وإيدي بتترعش، لقيت شيك بمبلغ 875 ألف دولار، ده غير بوليصة تأمين باسمي وباسم تالية، وياسين كاتب في ورقة صغيرة يا مريم، أنا عارف أمي كويس، الفلوس دي في حساب برا مصر باسمك ومحدش يقدر يلمس مليم منها، بس الصدمة الحقيقية مكنتش في الفلوس، الصدمة كانت في ورقة تانية تحتها، كشف حسابات الشركة والديون اللي عليها، الشركة كانت غرقانة في ديون وقروض وصلت ل 520 ألف دولار، والمصالح الضرائب
كانت بدأت تحجز على الأصول، يعني كريمة خدت التركة وهي متعرفش إنها خدت جبل من الديون هيبلعها هي وابنها.
فات تلات أسابيع وأنا قاعدة في شقة إيجار صغيرة وهادية مع بنتي، وفي ليلة، الساعة دقت اتناشر بالليل، تليفوني رن، بصيت لقيتها كريمة، رديت لقيت صوتها طالع بالعافية، بتشهق من كتر العياط وبتقول مريم.. إلحقيني يا مريم.. بتوع الضرائب والبنك هنا في البيت.. حجزوا على كل حاجة وطلعوا وصلات أمانة ياسين كان ماضيها للشركة.. بيقولوا لو مدفعناش نص مليون دولار هاني هيتسجن والشقة هتتباع في المزاد.. أنتي عملتي فينا إيه؟، سكت ثانية، بصيت لصورة ياسين اللي جنبي، وخدت نفس طويل وقلت لها ببرود أنا مابعتش يا حماتي، أنتي اللي اشتريتي.. ومبروك عليكي كل حاجة زي ما كنتي عايزة، وقبل ما تنطق بكلمة تانية، قفلت السكة في وشها لأول مرة في حياتي ونمت وأنا مرتاحة.
ليلتها نمت بعمق لأول مرة من يوم ما ياسين فارقنا، كأن الحمل اللي كان على صدري اتنقل لكتفها هي. الصبح بدري، لقيت هاني واقف تحت بيتي الجديد، وشه مخطوف وعينيه غارقة في السواد، أول ما شافني جرى عليا وقال بنبرة ذليلة مريم، أبوس إيدك، أمي هتروح فيها.. الشقة اللي في التجمع اللي كانت باسمها هي
كمان
تم نسخ الرابط