عودة المدفونة حية للانتقام حكايات انجى الخطيب
تحت الأرض عشان تخربي كل حاجة. رديت عليها بمنتهى الهدوء أنا مش شيطانة يا شيرين، أنا مجرد النتيجة للي إنتوا زرعتوه. إنتي اللي حفرتي الحفرة، وأنا بس اللي ردمتها عليكي بالعدل.
خرجت من السجن والجو كان صافي، لا فيه مطر ولا رعد. ركبت عربيتي وقولت للسواق وديني المينا. وقفت قدام سفينة ضخمة مكتوب عليها روح إبراهيم الشاذلي، بس المرة دي الاسم كان تقديراً لجدي مش لأبويا. بصيت للبحر الواسع وحسيت إن الحمل اللي على كتافي انزاح للأبد.
دلوقت، وأنا قاعدة في مكتبي، وجنبي عم منصور اللي بقى هو كبير العيلة الفعلي وبيدير معايا كل كبيرة وصغيرة، عرفت إن القصة مش بس إنك تاخد حقك، القصة إنك تعرف تعيش بالحق ده من غير ما تخلي السواد اللي شفته يغير قلبك.
ليلى الشاذلي النهاردة مش مجرد اسم في الجرايد، دي بقت قصة بتتحكي لكل بنت مكسورة، إن الضربة اللي متموتش بتقوي، وإن الأرض اللي بتندفن فيها ممكن تكون هي السماد اللي يخليك تطرح وتكبر وتوصل للسما.
بصيت للصورة اللي على مكتبي، صورة لية وأنا صغيرة مع أمي في الجنينة، وابتسمت وقولت بصوت واطي كدة يا أمي، العاصفة هديت.. والنهار طلع بجد. وقفت، عدلت الجاكت بتاعي، وخرجت عشان أبدأ يوم جديد، في حياة أنا اللي اخترت كل تفصيلة فيها، بعيد عن ريحة التراب والضلمة.
بعد السنين دي كلها، وبعد ما كل واحد خد جزاءه، اكتشفت إن أصعب معركة مكنتش مع باهر أو شيرين، كانت مع ليلى نفسها. كان لازم أتعلم إزاي أعيش من غير ما أكون مستنية طعنة جديدة، إزاي أثق في الناس وأنا شايلة على ضهري ذكريات غدر أقرب الناس ليا.
في
كريم دخل حياتي في وقت كنت فاكرة فيه إن قلبي خلاص بقى حجر، بس بالتدريج، وبمواقفه الجدعة، بدأ يدوب التلج اللي حواليا. مكنش طمعان في الشركة ولا في المنصب، كان عايز بس يثبت إن الدنيا لسه فيها ناس نضيفة. وعم منصور، اللي بقيت بعتبره أبويا الحقيقي، كان بيبص لي ويبتسم ويقولي آن الأوان يا بنتي تعيشي لنفسك شوية، ليلى اللي ماتت تحت الأرض حقها رجع، دلوقت لازم ليلى اللي عايشة تفرح.
اتجوزت كريم في حفلة بسيطة جداً في جنينة الفيلا، نفس المكان اللي كان المفروض يكون نهايتي، خليته يكون بداية حياتي الجديدة. مكنش فيه معازيم كتير، بس كان فيه حب حقيقي وصادق. وفي ليلة الفرح، وقفت لوحدي شوية بعيد عن الزيطة، وبصيت لمكان الحفرة القديم، لقيت الأرض دلوقت متغطية بنجيل ناعم وورد ألوانه تفتح النفس، وكأن الأرض نفسها نسيت اللي حصل وفتحت صفحة جديدة معايا.
بعد كدة، خلفت بنت، وسميتها نور، عشان تكون هي النور اللي بيمسح أي ضلمة شفتها في حياتي. نور كبرت وهي بتشوف أم قوية، بس حنينة، بتشوف ست بتدير إمبراطورية بس عينها ديما على الغلابة والمحتاجين. علمتها إن القوة مش في إنك تدوس على الناس، القوة في إنك تقوم مهما الدنيا حاولت تكسرك.
النهاردة، وأنا
أنا دلوقت قاعدة في نفس المكتب، وببص للنيل، وبحس براحة مابعدها راحة. الحكاية كملت بجد، مش بالانتقام بس، لكن بالحب، وبالعيلة الحقيقية اللي أنا اخترتها وبنيتها على نظافة. ليلى الشاذلي دلوقت مش مجرد اسم لشركة، دي حكاية بني آدمة رفضت إنها تكون ضحية، وقررت إنها تكون هي اللي بتكتب السطر الأخير في قصتها. والسطر الأخير بيقول اللي يعيش بالحق، عمره ما يموت.. حتى لو دفنوه تحت ألف متر تراب.
ومرت السنين، وبقت نور شابة زي الورد، بتدرس برا وجاية عشان تستلم الراية. وفي يوم تخرجها، وقفت وسط القاعة الكبيرة وبصيت لها وهي بتلقي كلمتها، كانت شبه أمي الله يرحمها في رقتها، وشبهي في قوتها. رجعت بيا الذاكرة لليلة اللي كنت فيها وحيدة تحت التراب، وبصيت لكريم اللي كان قاعد جنبي وماسك إيدي بامتنان، وقلت في سري يا رب، مكنتش أتخيل إن العوض هيكون حلو كدة.
عم منصور كان قاعد في الصف الأول، لابس بدلة شيك لأول مرة في حياته، ودموع الفرحة في عينيه وهو شايف حفيدة الجنينة بتكبر وبقت مالكة لشركة كانت في يوم من الأيام مقبرة لأمها. بعد الحفلة، نور جت حضنتني وقالت لي ماما، أنا فخورة إني بنتك، وفخورة بالاسم اللي إنتي شيلتيه لوحدك لحد ما
طلبت من كريم ونور وعم منصور إننا نروح الفيلا القديمة، الفيلا اللي شهدت كل حاجة. وقفنا كلنا في الجنينة ورا، القمر كان منور السما والجو هادي جداً. طلعت من شنطتي مفتاح قديم مصدي، كان مفتاح باب الفيلا اللي أبويا قفله في وشي زمان. حفرت حفرة صغيرة بإيدي وسط الورد، ورميت فيها المفتاح، وردمت عليه بالتراب.
نور سألتني بتعملي إيه يا ماما؟
ابتسمت لها وقلت لها برجع للأرض اللي أخدته منها يا بنتي. بردم على آخر ذكرى كانت رابطاني بالخوف والظلم. النهاردة، الحكاية قفلت دايرتها بالكامل. مابقاش فيه ليلى اللي اتدفنت، ولا ليلى اللي انتقمت.. بقى فيه بس ليلى اللي عاشت وبنت عيلة.
بصيت لعم منصور وقلت له يا عم منصور، الأرض دلوقت مابقاش فيها وجع، صح؟
رد عليا بصوته الواثق الأرض دي دلوقت يا بنتي بقت أطهر أرض، عشان رويتيها بصبرك، وحصدتي منها حبنا.
لفيت ضهري للمكان، ومشينا كلنا ناحية النور اللي طالع من شبابيك الفيلا، وأنا حاسة بإن خطواتي خفيفة وكأني طايرة. السواد اللي كان في قلبي اختفى، والضلمة اللي كانت في كوابيسي بقت مجرد حكاية بنحكيها عشان نتعلم منها.
قصتي بدأت بحفرة وانتهت بجنينة، بدأت بدموع وانتهت بضحكة بنتي. ودلوقت، أقدر أقول بقلب مطمن إن ليلى الشاذلي حفرت اسمها في الدنيا مش بالورث ولا بالفلوس، لكن بأنها عاشت حرة، وماتت جواها كل أحزان الماضي. والنهاردة، وأنا بقفل باب أوضتي وبطفي النور، نمت لأول مرة وأنا مش مستنية بكره عشان أحارب.. نمت عشان أستمتع بالشمس اللي هتطلع، وأنا عارفة إنها طالعة عشاني أنا.
تمت
حكايات