عقيقة اختي حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

حابب أشوفك لآخر مرة.
روحت جري، قلبي كان بيسبق رجلي. دخلت الأوضة لقيته دبلان خالص، بس أول ما شافني ابتسم وقال كبرتي وبقيتي زي الورد يا هالة. قعدت جنبه وأنا ماسكة إيده وببكي، قالي متبكيش، أنا عشت عمري كله مستني اللحظة اللي أحس فيها إني عملت حاجة صح، وإنتي كنتي الحاجة الصح دي. أنا ماليش حد، وكتبت لك المحل الصغير اللي كنت بملكه باسمك، أمانة ليكي عشان الزمن مكسركيش تاني.
قبل ما أنطق، دخل أبويا الأوضة! كان وشه أسود من الكسوف، عرفت بعدين إنه عرف مكان الحاج جلال وجيه عشان يخلص الحساب ويطرده من حياتي. بص له الحاج جلال بكل هدوء وقال له يا حاج، إنت جيت في وقتك.. بنتك أهي، أمانة ربنا اللي إنت ضيعتها، أنا رديتها لك جوهرة مبيكسرهاش حد. أنا مش عايز منك فلوس، أنا عايزك بس تبص في وشها وتفتكر إنك في يوم كنت هتدفنها وهي حية عشان خاطر لقمة.
أبويا نزل راسه في الأرض ومقدرش ينطق كلمة. الحاج جلال غمض عينيه وهو مبتسم، ولفظ أنفاسه الأخيرة وإيده في إيدي. في اللحظة دي، مكنتش حاسة باليتم من أهلي اللي واقفين يتفرجوا، كنت حاسة إني فقدت أبويا الحقيقي، الراجل اللي علمني إن الدم مش مية دي كذبة، وإن الأصل الطيب هو اللي بيبني البني آدم.
خرجت من المستشفى، ورفضت أرجع مع أبويا رغم توسلاته ودموعه اللي كانت متأخرة أوي. وقفت قدام المحل الصغير اللي الحاج جلال سابهولي، ورفعت راسي للسما وقلت يا
رب، زي ما بعتلي اللي يجبر خاطري، قدرني أجبر خاطر كل مكسور. ومن يومها، المحل ده بقى مش بس رزق ليا، ده بقى بيت لكل حد ملوش حد، وعرفت إن ربنا لما بياخد منك أهل بالاسم، بيدي لك روح تانية تعيش بيها وتكمل بيها المشوار، روح مابتخونش ومابتغيبش وقت الشدة.
مرت السنين وبقى المحل الصغير اللي سابهولي الحاج جلال مطعم جبر الخواطر، مكان بسيط بس ريحته دايماً مليانة بركة ودفا. كنت بوزع وجبات ببلاش لكل محتاج، وعامله ركن خاص لأي حد وحيد ملوش حد يسأل عليه، كأني برد الجميل لروح الراجل اللي أنقذني من الموت ومن القهرة.
في يوم، كنت واقفة بتابع الشغل، ولقيت ست عجوزة داخلة المحل، كانت ماشية ببطء وضهرها منحني، وهدومها رغم إنها نظيفة بس باين عليها القدم. أول ما شفتها قلبي اتنفض، كانت أمي. بس مكنتش الحاجة إلهام القوية اللي صوتها بيهز البيت، كانت ست كسرها الزمن وكسرتها الوحدة.
قعدت على ترابيزة في الركن وهي مش عارفة إن المحل ده بتاعي. رحت وقفت قدامها، أول ما رفعت عينيها وشافتني، صرخت صرخة مكتومة ودموعها نزلت وقالت بكسرة سامحيني يا هالة.. سامحيني يا بنتي. أختك اللي عملت لها العقيقة وبعت روحي عشانها، رمتني في دار مسنين أول ما جوزها قال لها مش عايز حماتي تعيش معايا، وأبوكي ساب البيت وطفش ومحدش يعرف عنه حاجة.
بصيت لها ولقيت جوايا هدوء غريب، لا شماتة ولا غل، بس كمان مفيش الحب القديم اللي
كان بيخليني أترمي في حضنها. نزلت لمستواها ومسكت إيديها اللي كانت بترعش وقلت لها بصوت هادي أنا مسمحاكي يا أمي، بس السماح مش معناه إن الوجع راح. إنتي النهاردة ضيفتي، وهتفضلي في رقبتي لأني بنت أصول زي ما علمني الراجل اللي صانني وأنتي رميتيني.
خدتها وسكنتها في شقة قريبة مني، ووفرت لها كل اللي تحتاجه، بس كان فيه حاجز بيني وبينها عمره ما اتهد. كانت كل ما تشوفني بضحك مع الناس أو بساعد غريب، تبكي وتقول يا ريتني كنت عرفت قيمتك زمان.
أنا النهاردة هالة، الست اللي بنت نفسها من الوجع، اللي عرفت إن الرزق مش بس فلوس، الرزق هو الناس اللي بتبعتهم لنا الدنيا عشان يرمموا كسر قلوبنا. قصة وجعي بدأت ب 17 مكالمة متمش الرد عليهم، وانتهت بحياة كاملة من الجبر، وعرفت يقيناً إن اللي بيسيبها على الله وبيمشي بقلب سليم، ربنا بيعوضه عوض ينسيه مرارة السنين، وإن الحق دايماً بيرجع، ولو بعد حين.
ومرت الأيام، وبقيت كل يوم الصبح قبل ما أفتح المحل، أعدي على مدافن صدقة جارية أقرأ الفاتحة للحاج جلال، الراجل اللي لولاه كنت زماني مجرد ذكرى حزينة في حياة ناس نسيوني قبل ما يدفنوني. وفي يوم، وأنا خارجة من المقابر، لقيت راجل واقف بعيد، ملامحه ذبلانة وشعره كله شاب، كان أبويا.
وقف قدامي وهو مش قادر يحط عينه في عيني، مد إيده بظرف صغير وقال بصوت مخنوق دي أوراق البيت يا هالة.. كتبته باسمك. أنا وأمك ملناش
مكان نروحه، وأختك وجوزها خدوا كل حاجة وسابونا على البلاطة. أنا مش طالب منك تسامحي، أنا طالب بس تستريني أنا وأمك في اللي باقي من عمرنا، وإحنا راضيين بأي ركن، حتى لو في مخزن المحل.
بصيت للورق وبصيت للسما، وافتكرت الليلة اللي كنت فيها بطلع في الروح وهما بيقفلوا السكة في وشي. كان ممكن أرد القلم قلمين، وكان ممكن أسيبهم يدوقوا من نفس الكاس، بس افتكرت كلمة الحاج جلال وهو بيقولي ابن الأصول بيفضل أصله طيب مهما حصل.
خدت الورق وقلت له بكلمتين بس البيت هيفضل باسمكم، وأنا هتكفل بكل قرش تصرفوه، بس اعتبروني
فاعل خير بيعمل لآخرته، مش بنت بترجع لأهلها. اللي انكسر يا بابا مبيتصلحش، بس اللي ربنا أمره بالستر، لازم يستر غيره.
رجعت مطعمي، وبصيت لصورة الحاج جلال اللي معلقاها في صدر المكان، وابتسمت بدموع. النهاردة قفلت الدفاتر القديمة كلها. عرفت إن الدنيا دي سلف ودين، والوجع اللي بدأ ب 17 مكالمة unanswered، انتهى بقلب مليان رضا ونفس شبعانة بالخير. وقفت وسط زبايني، وبدأت أغرف الأكل للناس وأنا بقول في سري الحمد لله الذي أبدلنا خيراً، وجعلنا من الجابرين لا من المكسورين.
دي كانت حكايتي، حكاية هالة اللي ماتت مرتين وفافت في التالتة، عشان تعيش حياة حقيقية، مش مبنية على أوهام الدم، لكن مبنية على تقوى الله وجبر الخواطر. وتوته توته، خلصت الحدوتة، بس الأثر الطيب عمره ما بينتهي.
تمت
حكايات
انجى الخطيب

تم نسخ الرابط