الميراث والديون كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

التسريحة القديم، واضعة رأسها بين يديها.
يا رب.. ليه حطيتنا في المأزق ده؟ همست.
جلس أحمد على طرف السرير مقابلها، وانحنى للأمام ممسكًا بركبتيه. غضبه تلاشى ليحل محله توسل منكسر. ياسمين، أنا عارف إن الشاليه ده غالي عليكي. وعارف إنه من ريحة ستك الله يرحمها. بس إحنا في حالة حياة أو موت. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأهل لو راحوا مبرجعوش. لو بعنا الشاليه، هنسدد الدين، وهيفضل جزء من الفلوس ممكن نجيب بيه حاجة أصغر ليكي، أو نستثمره في حاجة مضمونة لينا. أوعدك، أول ما الدنيا تتصلح، هعوضك عن كل مليم.
ياسمين رفعت رأسها ونظرت إليه. كانت ترى صدقه، وتوسله، وحبه لوالدته. كان هذا هو الرجل الذي أحبته وتزوجته، الرجل الذي يقف بجانب أهله في الأزمات. لكن في نفس الوقت، كانت ترى ذكراها، ومكانها الآمن، وحقها، يتسرب من بين أصابعها.
التعويض مش فلوس بس يا أحمد، قالت بصوت مخنوق. التعويض هو الأمان. الشاليه ده كان مكاني لما الدنيا بتضيق بيا. كان المكان اللي بحس فيه بوجود جدتي. لما نبيعه، أنا مش بس بخسر أرض وحيطان، أنا بخسر جزء من روحي.
انهمرت الدموع من عينيها، دموع قهر وحيرة. أحمد لم يحتمل رؤيتها تبكي. اقترب منها
وجلس على الأرض تحت قدميها، ووضع يديه على ركبتيها.
أنا عارف، والله عارف. وبيتقطع قلبي وإنا بطلب منك ده. بس إنتي الوحيدة اللي تقدري تنقذينا. لو في أي حل تاني، أي حل، كنت عملته. سألت أصحابي، حاولت آخد قرض تاني باسمي بس اترفض لأن المرتب ميكفيش. إحنا في طريق مسدود، والشاليه هو المخرج الوحيد.
ظلا على هذه الحالة لفترة طويلة. هو يتوسل على الأرض، وهي تبكي على الكرسي. القاهرة في الخارج كانت هادئة، لا يسمع سوى صوت المطر الذي عاد ليهطل برفق، كأنه يشاركهم حزنهم.
رحلة إلى الماضي
في الصباح التالي، كان الجو لا يزال غائمًا، لكن المطر توقف. لم يتحدث أحمد وياسمين كثيرًا أثناء الإفطار. الجو كان مشحونًا بقرار لم يتخذ بعد، لكنه كان يلوح في الأفق كالشبح.
أنا محتاجة أروح فايد، قالت ياسمين فجأة، وهي تضع كوب الشاي الفارغ.
أحمد نظر إليها باستغراب. دلوقتي؟ تروحي تعملي إيه؟
محتاجة أشوف الشاليه. محتاجة أودعه.. أو آخد قرار هناك. مقدرش آخد قرار وأنا محبوسة في الشقة دي.
أحمد سكت لفترة، ثم هز راسه بالموافقة. ماشي. أنا هاجي معاكي.
لا. عايزة أروح لوحدي.
ياسمين، الوقت خطر، والطريق طويل، ومفيش داعي تروحي لوحدك
وإنتي في الحالة دي.
أرجوك يا أحمد. ده طلبي الأخير قبل ما آخد القرار. سيبني أروح لوحدي.
رأى في عينها تصميمًا لا يلين، فوافق على مضض. ساعدها في تجهيز بعض الملابس، وأوصلها إلى محطة السوبر جيت في رمسيس. قبل أن تركب الأتوبيس، أمسك يدها وضغط عليها ببرفق.
خدي وقتك. وفكري في كل حاجة. وفكري فينا.
هزت رأسها بضعف، وركبت الأتوبيس.
طوال الطريق، ظل وجهها ملاصقًا للشباك. كانت تتابع المناظر المتغيرة، من زحام القاهرة وخنقتها، إلى الصحراء المنبسطة، وصولاً إلى مشارف الإسماعيلية، حيث بدأت الخضرة والمياه تظهر. كانت كل شجرة وكل ترعة تذكرها برحلات الصيف مع جدتها.
وصلت فايد في فترة ما بعد الظهر. المدينة كانت هادئة، فالموسم السياحي انتهى، وبقيت فقط همسات البحر وحفيف الشجر. استقلت تاكسي قديم وأعطته العنوان. عندما وقفت أمام باب الشاليه الخشبي القديم، شعرت بقلبها ينبض بقوة.
فتحت الباب بالمفتاح الذي لم يفارق ميداليتها أبداً. دخلت. كانت رائحة الشاليه مميزة؛ خليط من الخشب القديم، والرطوبة، وريحة البحر. كان كل شيء كما هو؛ الكنبة المنجدة بالقماش المنقوش في الصالة، الصور القديمة المعلقة على الحائط، تربيزة السفرة
الصغيرة التي شهدت آلاف الوجبات والضحكات.
صعدت إلى الدور العلوي، إلى غرفتها القديمة. فتحت الشباك المطل على الجنينة وعلى البحر من بعيد. نسيم بارد ومنعش دخل الغرفة، حاملاً معه ذكريات لا تحصى. تذكرت جدتها وهي تجلس في الجنينة تحت تكعيبة العنب، تقرأ كتابًا أو تحيك كنزة، بينما تلعب ياسمين بالكرة أو تبني بيوتًا من الرمل. تذكرت حكايات ما قبل النوم، وصوت جدتها الدافيء وهو يطمئنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
جلست ياسمين على السرير القديم، وأغمضت عينيها. يا تيتا.. أنا محتاجة ليكي قوي دلوقتي. محتاجة تقوليلي أعمل إيه.
في تلك اللحظة، لم تسمع ياسمين صوتاً، لكنها شعرت بهدوء غريب يسري في جسدها. شعرت وكأن يدًا غير مرئية تمسح على رأسها. تذكرت كلام جدتها الدائم عن الأصل، وعن أن الناس هم الأساس، مش الحيطان، وعن أهمية الوفاء والشهامة.
جدتها كانت ستفعل نفس الشيء. لو كانت مكانها، لم تكن لتتردد لحظة في إنقاذ إنسان، حتى لو كان عدوها، فما بالك بأم زوجها، وجدة أطفالها المستقبلين؟
المواجهة الأخيرة
عادت ياسمين إلى القاهرة في وقت متأخر من الليل. أحمد كان ينتظرها في الصالة، ووجهه ينم عن قلق شديد. عندما دخلت،
قام من مكانه مسرعًا.

تم نسخ الرابط