الميراث والديون كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
المحتويات
الشاليه لياسمين في الوصية. كانت الحفيدة الوحيدة، وجدتها هي اللي ربتها تقريبًا.. أهل ياسمين كانوا دايمًا في الشغل، والجدة كانت بتاخدها الصيف كله. هناك ياسمين اتعلمت القراءة، وهناك دوقت أول مربی بلح من إيد جدتها، وهناك قضت أجمل سنين عمرها. بعد موت الجدة، ياسمين تعبت جدًا، والشاليه بقى هو المكان المقدس بتاعها. بتروح هناك كل فترة، تقعد في الفرندة وتفتكر أيام زمان. بيع الشاليه بالنسبة لها خيانة للذكرى دي، كأنها بتمسح ماضيها بإيدها.
ياسمين رجعت الصالة وقعدت على الكنبة. أحمد خرج من الأوضة وقعد قدامها. كان شكله تعبان، كتافه نازلة وعينه حمراء.
ياسمين، أنا أسف إني زعقت، قال بصوت واطي. أنا بجد مش عارف أعمل إيه. أمي بتكلمني طول الأسبوع وهي بتعيط. بتقول إنها خايفة. بتوع التحصيل بيروحوا لها وبيهددوها. هي لوحدها ومرعوبة.
ياسمين بصت لجوزها يا أحمد، أنا مقدرة إن الموضوع صعب عليك. وإنك قلقان على والدتك. بس الشاليه ده ورثي، وتاريخي. مقدرش أبيعه بالبساطة دي.
ده مش ببساطة. ده عشان نلحقها.
في طرق تانية للحمل.
إزاي؟
ياسمين فكرت. في حلول، بس كلها محتاجة تضحية من الحاجة فوزية، مش من ياسمين.
تبيع شقتها. تسدد الدين. وتشتري شقة تانية على قدها. أو حتى
أحمد هز راسه أمي مش هتوافق تبيع شقتها. ده بيتها وكيانها.
والشاليه بيتي وكياني، ياسمين كررت. ليه مصلحتي أنا دايماً هي اللي تيجي في الآخر؟
عشان أمي في حالة طوارئ! هتترمي في الشارع!
يبقى هي اللي تتحمل مسؤولية أفعالها. هي ست كبيرة. هي اللي مضت وهي اللي استثمرت. يبقى تواجه النتيجة.
أحمد قام وبدأ يمشي في الصالة رايح جاي إنتي قاسية قوي.
ياسمين اتنهدت يمكن. بس أنا مش هضحي بآخر حاجة فاضلة لي عشان حد مش عارف يعني إيه مسؤولية.
دي أمي!
فهمت. بس ده مش معناه إني أدمر نفسي عشانها.
أحمد وقف وبص لمراته بجمود يعني خلاص؟ رافضة تساعديها؟
رافضة أبيع الشاليه. لو عايز تساعد والدتك، دور على حل تاني.
مفيش حل تاني! إحنا معندناش السيولة دي!
يبقى والدتك لازم تبيع شقتها.
أحمد جز على سنانه، وخرج من الصالة. ياسمين سمعت صوت خبطة باب الشقة. نزل. ياسمين بقت لوحدها.
قضت اليوم كله بتفكر. مش عارفة تركز في أي حاجة، والأفكار عمالة تلف وتدور الشاليه، الحمات، الدين. ياسمين كانت فاهمة إن أحمد بيضغط على أعصابها ب الابتزاز العاطفي عشان يخليها توافق. بس هي مش عايزة تستسلم. الشاليه ده بتاعها هي، وهي بس اللي تقرر.
بالليل أحمد رجع
أحمد، لازم نتكلم.
نتكلم في إيه؟ رد من غير ما يبص لها.
في موضوع والدتك. والوضع اللي إحنا فيه.
إنتي قلتي كل اللي عندك. مش عايزة تساعدي.
أنا مقلتش مش عايزة أساعد. أنا قلت مش هبيع الشاليه.
أحمد رفع عينه ما هي هي.
لا، مش هي هي. أنا ممكن أساعد بأي مبالغ معايا دلوقتي. ممكن نسلفها لو في طريقة للسداد. بس بيع الشاليه ده آخر حل في الدنيا، وأنا مش هاخده.
أحمد اتعدل في قعدته إنتي معندكيش مبالغ، ولا أنا عندي. الشاليه هو الحل الوحيد المتاح.
الحل الوحيد لمين؟ ليك؟ ولا لوالدتك؟...
الحل الوحيد لمين؟
رن صوت ياسمين في غرفة النوم الصغيرة، حادًا وواضحًا، كاسرًا حاجز الصمت الثقيل الذي فرضه أحمد بهروبه إلى هاتفه.
الحل الوحيد لمين يا أحمد؟ ليك؟ ولا لوالدتك؟ ولا لينا إحنا الاتنين كزوج وزوجة؟
أحمد لم يتحرك. ظل بؤبؤ عينه يتابع شيئًا ما على الشاشة، لكن أصابعه توقفت عن التمرير. كان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ لم يكن صمت هروب، بل صمت تجميع قوى. بعد دقيقة بدت كالساعة، ألقى الهاتف على السرير بقوة تسببت في ارتداده، ثم التفت إليها ببطء، وعيناه مجهدتان
لينا كلنا يا ياسمين. للبيت ده. قالها بصوت أجش، محاولًا السيطرة على نبرته. إنتي فاكرة إن لو أمي اتطردت من شقتها وراحت في الشارع، حياتنا هنا هتفضل مكملة عادي؟ إنتي متخيلة إن ضميري هيريحني؟ أو إن الناس هتاكل وشنا؟ أحمد باشا قاعد في شقته ومراته عندها شاليه، وأمه مرمية في حتة أوضة وصالة في آخر الدنيا؟.
ياسمين وقفت عند طرف السرير، ممسكة بطرف الغطاء، كأنها تثبت نفسها في الأرض. أولا، الناس دول مش هم اللي هيدفعوا تمن شقا جدتي. ثانياً، أنا مقلتش تترمي في الشارع. أنا قلت حلول واقعية، بس هي مش عاجباها لأنها عايزة تفضل محافظة على برستيجها على حسابي. ليه لازم التضحية تيجي مني أنا بس؟
أحمد قام من السرير بحدة، واقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة. تضحية؟ إنتي بتسمي إنقاذ أمي من السجن تضحية؟ ياسمين، الست بتنتهي! ديونها مش بس بنك، في وصولات أمانة لناس ميعرفوش الرحمة. لو مدفعناش، أمي هتتسجن. فاهمة يعني إيه؟ ست عندها ستين سنة تتسجن؟
ساد الوجوم. كلمة السجن كان لها وقع الصاعقة. ياسمين شعرت ببرودة تسري في جسدها. لم تكن تحب حماتها، وكانت تراها امرأة أنانية ومتهورة، لكن فكرة سجنها كانت مرعبة، ولا تليق بأي حال
متابعة القراءة